Latest News

مناهج النقد الحديث بيبليوغرافيا منتقاة

 مناهج النقد الحديث بيبليوغرافيا منتقاة

مناهج النقد الحديث بيبليوغرافيا منتقاة

الاستاد رشيد الإدريسي

 الاستادة لطيفة لبصير


بيبليوغرافيا 

 نظرية الأدب، رينيه ويليك وأوستين وارين، ترجمة محيي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985.

    مدخل إلى مناهج النقد الأدبي، كتاب جماعي، ترجمة رضوان ظاظا، مراجعة المنصف الشنوفي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، 1997.

     البنيوية وما بعدها: من ليفي شتراوس إلى دريدا، إشراف جون ستروك، ترجمة محمد عصفور، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، 1996.

     النظرية الأدبية المعاصرة، رامان سِلْدن، ترجمة جابر عصفور، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيغ، القاهرة، 1998.

     رونيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، 1987.

o  Introduction aux études littéraires : méthodes du textes, Sous la direction de Maurice Delcroix et Fernand Hallyn, Paris, éd. Duculot, 1987.

o  Critique littéraire et littérature européenne, Tania Collani, Paris, éd. L’Harmattan, 2010.

o  L’objet de la critique littéraire, Shusterman, Richard, Paris, éd. Al Danté, 2009

o  Méthodes De Critique Littéraire, Ravoux Rallo Elisabeth, Paris, éd. Armand Colin, 1994.


مناهج النقد الحديث مدخل

                                                                         توطــئــــــــــــة


        مناهج النقد الحديث النقد الحديث هي مكون من مكونات نظرية الأدب Théorie de la littérature 

نظرية الأدب تتضمن:

تعريف الأدب ……..الأدب و السيرة…..  وعلم النفس ….. والمجتمع…. والأفكار…… طبيعة السرد وأنماطه…… الأنواع الأدبية

       ونظرية الأدب أو النظرية الأدبية كما يعرفها روني ويليك تدرس مبادئ الأدب وأصنافه ومعاييره وما إلى ذلك… وتنتمي الدراسات التي تركز اهتمامها على الإنتاجات الأدبية إما إلى النقد الأدبي أو إلى التاريخ الأدبي. لكن لا شك أن النقد الأدبي كثيرا ما يستخدم بشكل يجعله يشتمل على النظرية الأدبية أيضا.

       ويؤكد ويليك ضرورة تضافر هذه المجالات الثلاثة فيقول:  » إنها تستلزم بعضها بعضا بشكل يبلغ من شموله أننا لا نستطيع تصور النظرية الأدبية بدون نقد أو تاريخ، أو النقد بدون نظرية أو تاريخ، أو التاريخ بدون نظرية ونقد. مفاهيم نقدية.

       ونلاحظ هنا ميلا إلى إقامة جسور بين هذه المجالات الثلاثة انسجاما مع التوجه الأمريكي الذي يقوم على تكامل المعارف وتداخلها والذي لا يكتفي فقط بالتقريب بين تخصصات تدرس موضوعا واحدا بل كذلك التخصصات التي تدرس موضوعات مختلفة ومحاولة الاستفادة منها في إضاءة الظواهر المدروسة.

المنهج

Le mot méthode vient du grec ancien μέθοδος (methodos) qui signifie la poursuite ou la recherche d’une voie pour réaliser quelque chose. Le mot est formé à partir du préfixe μετά, μέθ- (metα, meth-) « après, qui suit » et de οδός (odos) « chemin, voie, moyen ».

 

 

       إن لفظة Méthode اشتقت من اليونانية القديمة méthodes التي تعني اتباع أو البحث عن طريق من أجل تحقيق شيء ما، وهي مكونة من البادئة préfixe ميطا والتي تعني ما بعد أو ما وراء، ومن لفظة « أودوس » التي تعني الطريق والنهج والوسيلة.

 

          وفي العربية المنهج يدل لغويا على المعنى نفسه أي الطريق الذي يتم اتباعه للتوصل إلى نتيجة ما. ولذلك نستعمل في اللغة العربية مصطلح منهج، وفي الآن نفسه، وبشكل أقل ونادر، نستعمل الطريقة، من هنا نفهم ترجمة عمر الشارني لكتاب روني ديكارت Discours de la méthode بعنوان « حديث الطريقة ». ويبقى التعريف الذي يمكن اعتماده لتقريب معنى المنهج كما تستعمله العلوم الإنسانية هو شبكة من المفاهيم لتي يتم الاعتماد عليها وتشغيلها أثناء عملية تحليل نص ما.

 

          وقد فهم المنهج في أغلب الأحيان بوصفه اتباعا لخطوات توصل صاحبها إلى ما انتهى إليه واضع المنهج الأول، لذلك نجد من يرفض استعمال مصطلح منهج في وصف طريقة تحليله، مفضلا استعمال مصطلحات أخرى تعرى من تلك الدلالات التي علقت بالمنهج، كمصطلح مقاربة أو مقترب الذي ترجمة لكلمة approche وهو لفظ يتضمن دلالات النسبية والاحتمال وعدم الحسم. والفيلسوف جاك ديريدا المنهج التفكيكي لا يتوقف بدوره عن التأكيد على أن التفكيكية ليست منهجا، وأنه لا يوجد شيء يمكن تسميته بمنهج ديريدا، ولذلك يفضل تسمية ما يقوم به باسم التجربة لما يتضمنه هذا الاسم من دلالات التنوع والخصوصية والفرادة والاختلاف.

 

          وهذه وجهة نظر لا تلغي استعمل المصطلح مع إعطائه مفهوما منفتحا يشمل النماذج القابلة للتطبيق بشكل يقترب من النتائج التي يتوصل إليها المنظر، والنماذج المنفتحة التي تشمل مجموعة مفاهيم تساعد على فهم النص دون أن تحصر مطبق المنهج عند معنى بعينه، إذا تجاوزه عد خائنا للمنهج أو منحرفا عنه.

 

          وقد تبتكر المناهج الأدبية مفاهيمها الخاصة، لكنها قد تقترض من تخصصات أخرى كالفلسفة والتاريخ واللسانيات. وقد كانت الفلسفة وفي البداية هي المهيمنة لدى الذين كانوا يعتمدون التصورات الأرسطية، أما في القرن السابع والثامن عشر فقد حضر التاريخ والطبيعة بقوة مع التصورات الرومانسية فتم الحديث عن الفرد في علاقته بالواقع (الحديث مع الرومانسية عن التطور التاريخي عن الزمن   العابر المنفلت عن الحياة القصيرة) وليس المحاكاة كما كان سابقا، كما تم الحديث عن الذات كمصفاة تمر منها المعطيات لتصطبغ بها، بينما كلاسيكيا كان هناك حديث عن محاكاة الواقع كما هو. ومع مطلع القرن العشرين بدأت اللسانيات أو علم اللغة يفرض ذاته، فاصطبغت به المصطلحات النقدية (العلامة الدال المدلول اللغة الكلام).

 

          يمكننا أن نلخص ما شهدته النظرية الأدبية من تحولات في ثلاث مراحل:

 

 عندما كانت الفلسفة هي مركز الثقل الموجه لحركتها.

 عندما كان التاريخ يحتل مركز الثقل.

 عندما هيمنت اللغة لتصبح النموذج المسيطر على نظرية الأدب في العصر الحديث.

         

كل نظرية يمكن أن ترتبط بها مجموعة من المناهج ذلك لأن النظرية أوسع من المنه.

          يقول صلاح فضل « إن العلاقة بين النظريات الأدبية المختلفة لا تقتصر على ارتباط كل نظرية بنموذج علمي تستمد منه مقولاتها ومصطلحاتها، وإنما يصبح لكل نظرية أيضا تجليات منهجية عديدة يجمعها أساس معرفي واحد، ويشترط فيها ألا تكون متناقضة، بمعنى أن النظرية الأدبية الواحدة تسفر عن طرائق متعددة ومناهج متعددة في التطبيق، وهذه المناهج لها مصطلحاتها، ويمكن أن تتبادل الاصطلاح […] لكن هذا التبادل محكوم بالاتساق المعرفي بين العناصر التي يتم تبادلها، وذلك حتى لا نقع في التناقض على مستوى المبادئ المؤسسة

وتبعا لذلك فالمناهج التاريخية مثلا والمناهج البنيوية لا يمكن الجمع بينها على اعتبار أن البنيوية انطلقت من إقصاء التاريخ

فيما بعد ستلجأ البنيوية بعد تعديلها إلى التاريخ، إذ تبين لها أنه بإقصاء التاريخ تحرم المحلل من فهم مستويات مهمة من النص أو الظاهرة.

       وعلاقة بالفكرة أعلاه يقول   في موسوعة أونيفيرساليس: في النقد الأدبي لا يترك استبدال ما مكانه لاستبدال آخر لأن برنامجه أنجز أم لم ينجز. إذ يظهر أن الاستبدالات الجديدة تعتمد على تعديل التخصصات المجاورة لها: فالفينومينولوجيا، التأويليات، الماركسية، التحليل النفسي، البنيوية، ما بعد البنيوية أدت كل واحدة منها إلى نقد أدبي بعينه. وكل استبدال لا يقصي بالضرورة استبدالا آخر، بل على العكس من ذلك كل واحد يستمر في الوجود مع التقليل من شأن الآخر.

      

      تعريف الاستبدال

      يمكننا تعريف الاستبدال كالتالي: 

Une manière de voir les choses, un modèle cohérent de vision. 

       ويجب التأكيد على حقيقة أساسية وهي أن تعدد المناهج وظهور بعضها تلو البعض، لا يعكس نوعا من التقدم الذي من معانيه أفضلية اللاحق على السابق، فتعاقب المناهج يعكس نوعا من العود الأبدي ونوعا من الذهاب والإياب اللامحدود ونوعا من الإيقاع المتناوب. […] إن النماذج النقدية لا تموت، ويظهر أن حقل النقد الأدبي اليوم مفتوح بشكل واسع جدا في غياب أستبدال مهيمن.

وجهة نظر أنطوان كومبانيون في المسألة

       تصنيف المناهج

       من أجل تصنيف المناهج نعتمد على النموذج التواصلي الذي وضعه رومان ياكبسون 1896 – 1982، وكما هو معلوم فهذا الأخير من الشكلانيين الروس الذين كان لهم أثر بالغ على المناهج النقدية فيما بعد.

       النموذج التواصلي يستحضر مجموعة من العناصر التي تتفاعل فيما بينها في كل حالات التواصل:

 

                   السياق     

                المرسل – – – – – — – –  الرسالة — – – – – – – المرسَل إليه

                       الاتصال          

                       الشفرة          

      

       فعملية التواصل تقوم على مرسل يرسل رسالة إلى مرسل إليه، مستخدما شفرة وهي في الغالب لغة يعرفها المرسل والمرسل إليه، والرسالة لها سياق أي مجموع الشروط الاجتماعية التي تتحكم في عملية التواصل، كما أنها تنتقل عبر أداة تواصل، والتي قد تكون كلاما مباشرا أو الهاتف أو الكتابة… وعنصر أداة الاتصال هنا ليست لها أهمية في تصنيف المناهج على اعتبار أن الأدب يتم بالكلمة المطبوعة في أغلب الحالات باستثناء المسرح مثلا.

       اعتمادا على هذا النموذج وإذا ما تناولنا النظريات الأدبية الأساسية، يمكننا أن نصنفها على النحو التالي:

 

                                                   الاجتماعية   

الرومانسية – – – – – – – – – – – – – – –  الشكلية – – – – – – – – – – – – – جماليات التلقي

                                                     البنيوية                                                         

 

فالمناهج الرومانسية تركز على المؤلف وعلى المعطيات المرتبطة بحياته.

والمناهج المتمركزة على القارئ أو النقد الفينومينولوجي على تجربة القارئ.

والمنهج الشكلاني يركز على طبيعة الكتابة بعيدا عن كل ما عداها.

والمناهج الاجتماعية تركز على السياق الاجتماعي والتاريخي، بحيث ترى أنه بدون استحضار هذا البعد لا يمكن فهم العمل الأدبي.

أما المنهج البنيوي فيركز على الشِّفرات المستخدمة في بناء المعنى.

 

الشكلانية الروسية

        السياق التاريخي

رسخت الدراسات الشكلانية دعائمها قبل ثورة 1917 بواسطة جماعتين:

 الجماعة الأولى هي حلقة موسكو اللغوية التي تأسست عام 1915

الجماعة الثانية هي جمعية دراسة اللغة الشعرية التي يطلق عليها اختصارا اسم « أوبوياز » والتي بدأت نشاطها عام 1916.

وإذا كان رومان ياكوبسون Roman Jakobson (الذي أسهم بعد ذلك في تأسيس حلقة براغ اللغوية سنة 1916) هو الشخصية القيادية للمجموعة الأولى، فإن فكتور شكلوفسكي وبوريس إيشنباوم، يعتبران من أبرز ممثلي الجماعة الثانية

كان شعار الشكلانيين الروس الذي تحكم في تصورهم للأدب هو: الكلمة المكتفية بذاتها، أي أن الشكلانيين يرون الأدب بوصفه استخداما خاصا للغة. فالنص الشعري مثلا، لا ينطوي على أية أسرار أو مضمون إنساني من قبيل الانفعالات والأفكار أو الواقع بوجه عام، فهذا المضمون في نظرهم ليست له أي أهمية أدبية، بل هو مجرد سياق يتيح للوسائل الأدبية أن تؤدي عملها، على اعتبار أن اللغة الأدبية ليس لها وظيفة عملية، وإنما تكتفي بأن تجعلنا نرى الأشياء بطريقة مختلفة لا غير.

فالأساس بالنسبة إليهم هو التركيز على التنظيم الصوتي المستقل للكلمات، وعلى البراعة التقنية للكاتب ومهارته؛ أي التركيز على كيف يقول الأدب وليس ماذا يقول الأدب. يقول شكلوفسكي في تعريفه للأدب « إنه هو حاصل جمع كل الوسائل التي نستخدمها »، وهذا التصور دفع البعض إلى اتهامهم بكونهم يتبنون نزعة مادية خالصة.

وقد كان ذلك سببا لانتقاد تروتسكي لهم في كتابه « الأدب والثورة » 1924، وَوَﺻْﻒ لوناتشارسكي للشكلانية بكونها تخريب إجرامي ذو طبيعة إﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ، مما دفع بعضهم لأخذ البعد الاجتماعي بعين الاعتبار من أمثال ميخائيل باختين. وقد رأى البعض في ذلك نوعا من الانهزام والإذعان للشيوعية قبل أن تنتهي الحركة سنة 1930، وهو ما رفضه الناقد رامان سلدن الذي اعتبر أن هذه المرحلة أعطت أفضل أعمال الشكلانيين، ممثلة في مؤلفات ميخائيل باختين.

بعد ذلك انقطع نشاط هذا التيار وإن ظل مستمرا في حلقة براغ، لكن النازية كانت سببا في هجرة بعض الأعضاء إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كروني ويليك ورومان ياكبسون اللذين كان لهما تأثير واضح فيما يسمى بالنقد الجديد New Criticisme.

        مفاهيم تحليل السرد    

للشكلانيين الكثير من المفاهيم التي ارتبطت بهم في تحليلهم للسرد خاصة، وإن كانوا قد اهتموا بالشعر اهتماما بالغا كذلك، وخاصة مع رومان ياكبسون، ومن بين هذه المفاهيم:

الإغراب أو التغريب (كسر الألفة)

الإغراب هو ما يترجمه البعض بالتغريب، وهذا المفهوم من المفاهيم التي لها علاقة بالأدبية حسب الشكلانيين، والتي يلجأ إليها الأدب للتأثير في المتلقي. والإغراب ترجمة للفظة Singularisation ويقابلها في اللغة الإنجليزية مصطلح  Estrangement، ومعناه نزع الطابع الآلي عن إدراك الأشياء ونسيان العادات المكتسبة والصور النمطية. وهو ما ينعكس على الأحداث السردية المألوفة التي، بواسطة الإغراب، تفرض علينا ألا ندركها بطريقة آلية، كما يطول أمدها، وبذلك تشدنا إليها فننزع عنها الألفة التي ارتبطت بها في أذهاننا.

ومثال على مفهوم الإغراب ما يورده شكلوفسكي، الذي يلفت الانتباه في دراسته لرواية « ترسترام شاندي » للورنس شتيرن إلى بعض التقنيات الإغرابية. فهذا الكاتب وغيره من الكتاب الآخرين يلجأ إلى استعمال أساليب يُغَرّب بواسطتها الأحداث المألوفة، عن طريق الإبطاء والإطالة والقطع… فحالة شخصية السيد « شاندي » الذي يستلقي قانطا على سريره، بعد سماعه خبر تحطم أنف ابنه ترسترام، كان يمكن أن توصف وصفا تقليديا بقول الراوي: « جلس حزينا على سريره » مثلا، ولكن شتيرن اختار أن يزيل الألفة عن حالة السيد شاندي فقال:

« ارتمى على الفراش، وراحة يده اليمنى تسند جبينه وتغطي أغلب عينيه وتغوص مع رأسه برفق (بينما تراجع مرفقه إلى الوراء) إلى أن لمس أنفه الدثار، وتدلى ذراعه الأيسر جامدا إلى جانب السرير وأصابعه متكئة على مقبض حوض الغرفة »

        إن الأديب ـ في النظرية الشكلانية، وبناء على هذا المفهوم، لا يحاكي الواقع، وإنما يغربه وينزع عنه طابع الألفة، ولذلك فإن فهم النصوص لا يتطلب ربطها بمرجعها الواقعي، وإنما يفرض علينا ربطها بنصوص أخرى، ولذلك يقال بأن هذا المفهوم ظل منصبا على التقنية أي الشكل.

       المتن والمبنى الحكائي وعلاقة بمفهوم السرد،

         ميز الشكلانيون بين شيئين اثنين:

1-  المتن الحكائي Fabula هناك من يترجمه خطأ بالحكاية.

2-  المبنى الحكائي Sujet   هناك من يترجمهخطأ بـالحبكة. ترجمات غير موفقة لأن الحكاية يقابلهاit  يقابلها intrigue.

        والمتن الحكائي حسب الشكلانيين الروس هو الأحداث مرتبة ومختزلة كما يُتَصور حدوثها في الواقع. أما المبنى الحكائي فهو التنظيم الفني لهذه الأحداث مع التأخير والتقديم والاستطراد وإبطاء مجرى الحكي. فالمتن الحكائي حسب هذا التصور هو مجرد مادة خام، تنتظر يد الكاتب الذي يشتغل عليها، أما المبنى الحكائي فهو الذي ينفرد بالخاصية الأدبية، وذلك بهدف منع القارئ من النظر إلى الأحداث على أنها نمطية مألوفة؛ أي إضفاء طابع الإغراب عليها.

        يري توماشفسكي أن المتن الحكائي Fable   هو مجموع الأحداث المتصلة فيما بينها والتي يقع إخبارنا بها خلال العمل، ويمكن أن يعرض بطريقة عملية Pragmatique حسب النظام الطبيعي بمعني؛ النظام التزامني والسببي للأحداث، وباستقلال عن الطريقة التي نظمت بها (تلك الأحداث) وأدخلت في العمل الأدبي. والمبني الحكائي يتألف من نفس هذه الأحداث، بيد أنه يراعي نظام ظهورها في العمل الأدبي، كما يراعي ما يتبعها من معلومات تحددها لنا.

        التـــحفـــــــيز

        بناء على ما طرح أعلاه، يستعمل الشكلانيون مصطلحا آخر في التحليل وهو مصطلح التحفيز Motivation، وما يقصدونه بذلك هو أن أفكار النص الأدبي وموضوعاته وإشاراته، هي مجرد ذرائع خارجية يلجأ إليها الكاتب لتبرير استخدامه الوسائل الشكلية؛ أي أن اعتماد العناصر الخارجية غير الأدبية ليس سوى مجرد « تحفيز » لا غير.

        والتحفيز ـ في نظرهم ـ يقوم على مد العمل الأدبي بعناصر تسمح للمتلقي بالتواصل القوي معه. فموضوع القصيدة وصورها تحفز القارئ على التماس جمال الشكل الأدبي، وتجعله أكثر ارتباطا وميلا إلى فهمه، وهذا ما يجعل من التحفيز عاملا مساعدا في إبراز جمالية الأشكال الأدبية وليس عاملا جوهريا في بنيتها وغاية ينشدها المتلقي.

        العنصر المهيمن

        ويبرز مفــهوم آخر تــستخدمه النظرية الشــــكلانية، وهو مفــــهوم المهيمن « La dominante« ، وقد استخدمه بشكل خاص اللغوي » ياكبسون »؛ حيث يعرفه بوصفه: « المكون البؤري لعمل فني ما: إنه يُوِجِد المكونات الأخرى ويحددها ويحولها« ، وقد يكون هذا العنصر وزنا أو موسيقى أو وظيفة بلاغية.

        يتضح من هذا القول إن الشكلانيين يعطون بعدا جوهريا لمفهوم المهيمن، وذلك باعتباره ظاهرة مركزية في أي عمل أدبي؛ فهو الذي يضمن تماسك العناصر الفنية، ويتحكم في توزيعها وترتيبها وظهورها، ومن ثمة يساهم في تماسك البنية الفنية للعمل الأدبي وترابطها. ويستطيع المتلقي أن يحدد هذا العنصر في العمل الأدبي من خلال الوزن أو الموسيقى الداخلية أو أي وظيفة بلاغية؛ بمعنى أنه لا يمكن أن يُحدَد آليا بمجرد قراءة سطحية، إذ يحتاج الأمر إلى قراءة عميقة متأنية تمكن المتلقي من تحديده شكليا بعد أن يُرصد في العمل الأدبي.

        وحين يتكرر هذا العنصر المهيمن في أعمال أدبية يتحول إلى شكل ثابت، فيتحدد لدينا شكل أدبي قار، يتميز بخصائص تفرقه عن أشكال أخرى تظهر بعناصر مهيمنة أخرى. وهذه الأشكال تخضع للتغير والتحول عبر الزمن بفعل عامل التغريب؛ إذ كلما ظهر شكل جديد أصبح شكلا تغريبيا جذابا، وبمرور الزمن يتحول إلى شكل مألوف، ومن ثمة تنتفي عنه الغرابة، ويحتاج الأمر إلى أدوات تغريبية جديدة تضمن له التجديد والإثارة، وهكذا دواليك تنشأ أشكال أدبية جديدة وتزول أخرى. ومعنى ذلك هو أن الأدبية تكمن في العناصر المهيمنة في أي عمل أدبي، ولهذا جعلها الشكلانيون ميزة أساسية للتفريق بين ما هو أدبي وما هو غير أدبي.

        والمثال الذي أورده ياكبسون لشرح هذا المفهوم مأخوذ من الشعر التشيكي، ففي القرن الرابع عشر، كانت العلامة المميزة لهذا الشعر هي القافية وليست الخطاطة المقطعية، لذلك لم يكن يقبل الشعر الذي لا يتوفر على القافية في تلك المرحلة. أما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد صارت القافية نسقا اختياريا، وأصبحت الخطاطة المقطعية عنصرا إجباريا، والذي من دونه لا يعتبر الشعر شعرا. وفي وقت كتابة ياكبسون لتحليله، لم يكن العنصر المهيمن لدى شعراء التشيك قافية ولا نموذجا مقطعيا، بل أصبح العنصر المهيمن يتمثل في النبر  Intonation ، أي النثر بالنغمة الموسيقية الخاصة التي يراعيها المنشد في كلامه. وتعرف أيضا بموسيقى الكلام

        خلاصـــــات

        يمكننا أن نلخص المبادئ والمنطلقات التي اعتمدتها الشكلانية الروسية فيما يلي:

1-  الشكلانية لم تعر أي أهمية للأفكار إلا بوصفها مواد للبناء لا غير.

2-  أعادت النظر في الفكرة القديمة التي ترى في الشكل وعاء وقالبا للمضمون.

3-  أعطت للشكل الأولوية وضمنت له استقلاليته.

4-  أصبح للشكل معنى في ذاته وليس في علاقة مع أي عنصر إضافي.

5-  شجعت على التجديد والإبداع بدعوتها إلى توظيف التقنيات الإغرابيه التي قد تتحول إلى أشكال جديدة، والتي تتجه بمرور الزمن نحو الألفة فتحتاج إلى أدوات إغرابيه جديدة لكي تبعث من جديد، وهكذا دواليك.

        وعلى الرغم من الطابع التجديدي الذي تميزت به الشكلانية الروسية، إلا أنها تعرضت للكثير من النقد الذي يصب أغلبه في تبيان قصورها، باعتمادها للفصل بين الأشكال والأفكار. فالفصل قد يكون ممكنا في الموضوعات المادية، لكنه متعذر فيما يتعلق بالموضوعات الفنية التي لا تحتمل الفصل والتفكيك العضوي.

جمالية التلقي خلفيات نظرية ونظريات القراءة والتأويل

          التلقي بوصفه تجاوزا للبنيوية

      من خلال الاطلاع على الكثير مما كتب عن المناهج النقدية، نلاحظ أن هناك نوعا من الاتفاق على أن القارئ، بوصفه أحد العناصر الأساسية في عملية بناء المعنى، قد تم تجاهله من طرف أغلب التيارات النقدية التي اهتمت بالمؤلف (المُرْسِل) والنص (الرسالة)، كما اهتمت بسياق إنتاج الرسالة وبشيفراتها، وبذلك فوتت الفرصة على نفسها لتقديم تصنيف للمناهج، يتطابق مع كل عناصر الخطاطة التواصلية كما أشاعها رومان ياكبسون Roman Jakobson.

 

ومحاولة من النقاد لسد هذه الثغرة، ظهرت الكثير من المناهج التي جعلت من القارئ أو المتلقي بصفة عامة مركزا في عملية التحليل. وقد كان في طليعة من طرح فكرة التركيز على القارئ، بوصفها تجاوزا للمناهج التقليدية، المدرسة الألمانية متمثلة في تيار جمالية التلقي Esthétique de la réception  الذي ينتمي أصحابه لما يسمى بمدرسة كونستانس الألمانية، والتي يمثلها كل من هانس روبيرت ياوس Hans-Robert Jauss و »وولفـگانگ إيزر » Wolfgang Iser.

 

وليس هذا هو التيار الوحيد الذي عمل على التنظير للقارئ وجعله أحد أهم محاور الدرس الأدبي تنظيرا ونقدا، بل هناك مناهج أخرى متعددة، وإن كانت خلفياتها المعرفية تتوزع بين الظاهريات والسيميائيات والتأويليات. ويمكننا أن نذكر من بين من اهتم بالقارئ:

 

 تيار نقد استجابة القارئ Reader-Response Theory

سيميائيات القراءة والتأويل Sémiotique de l’interprétation

التحليل النصي La textanalyse

 

وقد جاءت هذه المناهج كرد فعل على النزوع العلموي scientiste الذي طغى على بعض التخصصات الإنسانية التي عملت على التماهي مع العلم، وسعت للوصول إلى حقائق يقينية في قراءتها للنصوص، ولذلك تندرج مناهج القارئ ضمن تيار ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.

 

وما بعد البنيوية كصفة، ليس معناه أن هذا التيار ظهر بعد البنيوية، بل هما معا وُجِدا في فترة زمنية متقاربة. ويرجع سبب إدراجه في « ما بعد البنيوية » إلى كون البنيوية في مرحلة من مراحل تطورها كانت ترفع شعار النص كل النص ولا شيء غير النص، مما أدى بها إلى تجاهل العناصر التاريخية المرتبطة بالنص أو الظاهرة المراد دراستها. ولذلك فبدل الاقتصار على ثنائية (المؤلف – النص) كما هو الشأن مع البنيوية وما سبقها من مناهج، أصبح التحليل مع جمالية التلقي يركز على ثنائية (القارئ – النص).

 

مسوغات مركزية القارئ

ويستند أصحاب هذا التيار إلى عدة مسوغات تهب المشروعية لجعلهم القارئ مركزيا في عملية التلقي. فالمتلقي حسب منظري هذا الاتجاه، لا يدرك الأشياء والظواهر ولا يعيها بحياد مطلق، بل يقوم بدور فعال في هذه العملية، بحيث يضمن للتلقي والتحليل خصوصيته.

 

ويمكن التمثيل لذلك بصورة يلعب المتلقي دورا حاسما في تحديدها وإعطائها هوية من بين هويتين اثنتين على الأقل. ويتعلق الأمر بصورة « البطة الأرنب » التي على المتلقي أن يركز على اتجاه الخطوط، ليحدد إذا ما كان الرسم بطة تنظر نحو اليسار، أم أرنبا ينظر في اتجاه اليمين. بحيث أن الوجود الفعلي لهذه الصورة مرتبط بالمتلقي وليس بالصورة في حد ذاتها.

 

والأمر بالنسبة للنص الأدبي شبيه بذلك، فوجود النص مرتبط بقراءته من طرف قارئ ما وإسناد معنى لهذا النص من طرف هذا القارئ، أما قبل القراءة فالمعنى يظل مجرد إمكان.

 

وقد كان للكثير من أفكار التيار الظاهراتي Phénoménologie أثر كبير في دعم وجهة نظر مدرسة التلقي وخاصة في صيغتها الألمانية، إذ يؤكد أصحاب هذه الفلسفة على دور الذات في تحديد المعنى،  » فالموضوع الحق للبحث الفلسفي هو محتويات وعينا وليس موضوعات العالم، فالوعي دائما وعي بشيء ما، وهذا الشيء الذي يبدو لوعينا هو الواقع حقا بالنسبة إلينا ». وهذه الفكرة هي ما يعبر عنه إيدموند هوسرل Edmond Husserl بقوله: « كل وعي هو وعي بشيء ما ».

 

كما أن مارتن هايدغر  المنتمي لنفس الفلسفة، يؤكد على ضرورة أن نمتزج بموضوع وعينا ذاته، وأن لا ننظر إلى العالم من الأعلى كما لو كنا ننظر من قمة جبل. وهذه الفكرة هي ذاتها التي طبقها الفيلسوف هانز جورج غادامير Gadamer صاحب كتاب « الحقيقة والمنهج » وطورها فيما بعد، فذهب إلى أن العمل الأدبي لا يخرج إلى الوجود منجزا كاملا، بدليل أن معناه يرتبط بالقارئ، أي بمن يقوم بفهمه وتفسيره في سياق تاريخي قد يكون مختلفا عن سياق التأليف.

جمالية هانز روبيرت ياوس

هانز روبرت ياوس

يتفق جميع مؤرخي النظريات الأدبية، على أن بداية جمالية التلقي ارتبطت بهانز روبرت ياوس Hans-Robert Jauss، الذي تحدث في دراسة له صدرت سنة 1969 عما سماه: باستبدال Paradigme جديد في دراسة علوم الأدب. وقد تعرض بتفصيل لتصوره الجديد في كتابه الذي يحمل عنوان « من أجل جمالية للتلقي » Pour une esthétique de la réception الذي يضم دراسات صدرت ما بين 1972 و1975، والتي جمعها في هذا الكتاب وأصدرها باللغة الألمانية سنة 1975.

 

والاستبدال الجديد الذي عناه ياوس هو القارئ، ومعنى ذلك اتخاذ هذا الأخير بوصفه قاعدة جديدة للاشتغالune base de travail  على النصوص الأدبية، والتأريخ للأدب بصفة عامة. وهذا التجديد ناتج عن كون الاستبدال السابق يتلوه دائما استبدال لاحق، عندما يتبين عجز الأول عن تحقيق ما كان ينتظر منه تحقيقه من طرف أصحابه الذين شيدوه ودافعوا عنه.

 

       التلقي وتجديد تاريخ الأدب

انطلق ياوس في تشييده لتصوره النظري من نقد جذري لما سبقه، فانطلق من كون الدراسات التاريخية المرتبطة بالأدب، لم تول أي اهتمام لتلقي النصوص الأدبية من طرف القارئ. إذ عملت على إخضاع الإبداع للتحليل، كما عملت على دراسة الأعمال الأدبية على مستوى طباعتها ونشرها، ودرست المادة الأولية للأدب المتمثلة في اللغة… لكنها في مقابل ذلك، أغفلت دراسة التواصل بين المؤلف والقارئ ».

والملاحظ من خلال هذه الإشارات الأولى أن جمالية التلقي، كما طرحها ياوس، هي في الأصل محاولة لتجديد تاريخ الأدب الذي وصل إلى الباب المسدود بتركيزه على التحليل البيوغرافي السانكروني الثابث، بينما يقترح ياوس الانطلاق في التأريخ للأدب من زاوية دياكرونية؛ أي قراءة النصوص الأدبية من خلال تنقلها في الزمن وتغير طرق تلقيها. فيصبح تاريخ العمل الأدبي دائم التجدد، لأنه في كل مرحلة تاريخية يتم تحيينه من طرف قراء جدد.

       ولذلك فإنه من أجل التأريخ للنصوص الأدبية، حسب هذا التصور، يجب أن يتجه الاهتمام إلى الأثر الذي يحدثه العمل الأدبي في جمهور ما والمعنى الذي يعطيه له هذا الجمهور، بتعبير آخر الاهتمام بالتجربة التي تجمع بين القراء والإنتاجات الأدبية. ومن أجل بناء هذا النوع من التاريخ، يمكن الرجوع إلى ما كان ينشر من تحليلات حول عمل ما في مرحلة تاريخية بعينها، كما يمكن الاستعانة بترجمات العمل الذي يراد التأريخ له، أو الرجوع إلى وثائق المحاكمات في حالة بعض الكتب التي أثارت ردود فعل قوية وخضعت لمتابعات قانونية لتطرقها لما هو سياسي أو ديني أو أخلاقي.

      

       أفق الانتظار  

        يعتبر مفهوم أفق الانتظار « L’horizon d’attente« ، وهو مفهوم كان له حضور سابق لدى هايدغر وغادامير، من بين المفاهيم الأساسية في تصور ياوس، وذلك لأن المهمة الأولى التي على جمالية التلقي القيام بها لبناء التاريخ الأدبي، هي استخراج أفق انتظار الجمهور الأول الذي تلقى العمل الأدبي في مرحلة تاريخية بعينها. والمقصود بأفق الانتظار أو أفق التوقع، كما يترجمه البعض، هو ما ينتظره القارئ من النص والمتمثل في العناصر المُحَدَدَة مسبقا والتي تسمح للقارئ بتشييد قراءته. وهذه العناصر هي مجموعة من القواعد المتمثلة في النوع الأدبي الذي ينتمي إليه النص، والمعارف المتعلقة بالخلفيات الثقافية والضوابط الجمالية. ومعنى ذلك أن القارئ يستند في قراءته لنص أدبي ما على قراءاته السابقة التي تؤثث أفق توقعه.

       وهنا يميز ياوس بين نوعين من الأعمال الأدبية:

·      تلك التي تستجيب لأفق انتظار القارئ بشكل كامل، وهي الأعمال الأدبية المطابقة لنموذج بعينه، والتي تفتقد لأي تجديد،

·      والأعمال الأدبية التي، على العكس من ذلك، تخرق معايير أفق انتظار القارئ مقترحة عليه قيما أخرى.

وخرق أفق الانتظار هو خاصية من خصائص النصوص الأدبية، وهو علامة على طابعها الجمالي، وهذا ما يسميه ياوس بالمسافة الجمالية، أي المسافة بين أفق الانتظار والعمل الأدبي الجديد.

ويتأسس أفق الانتظار على ثلاثة عناصر:

1.   التجربة المسبقة التي لدى الجمهور عن النوع الأدبي الذي ينتمي إليه النصمثلا قراءة دون كيخوت يتم تلقيها بأفق انتظار من عناصره كونها من روايات الفروسية.

2.   شَكْلُ وتيمة الأعمال الأدبية التي يفترض معرفتها من طرف القارئمثلا تيمة الذات الغنائية في الشعر الرومانسي، أي التعبير عن المشاعر الذاتية مقابل التعبير الملحمي.

3.   التعارض بين اللغة الشعرية واللغة العملية، وبين العالم الخيالي والواقع اليومي، بحيث أن النص الأدبي يتم تلقيه والحكم عليه في علاقة مع خلفية تجربة الحياة اليومية للقارئ.

جمالية التلقي وولفـگانگ إيزر

يعتبر ووولفـگانگ إيزر Wolfgang Iser الممثل الثاني لتيار جمالية التلقي الألماني، وهو يهتم بالقراءة من زاوية نصية، على عكس ياوس الذي نجد لديه تركيزا على التاريخ. ولذلك فإن إيزر يقدم منهجا حقيقيا لتحليل النصوص، يحاول من خلاله فهم فعل القراءة والوقوف على المفاهيم التي يجب تفعيلها أثناء عملية التحليل النصي.

وكل ذلك يبسطه في كتابه الذي يحمل عنوانا دالا هو :

 « فعل القراءة نظرية الأثر الجمالي »

 « l’acte de lecture : théorie de l’effet esthétique« 

وحسب إيزر فإن القراءة هي عملية تفاعل بين النص والقارئ، أي أن النص لا وجود له إلا من خلال وعي أو قارئ يتلقاه. ويمكن تحليل هذه السيرورة القرائية بواسطة المفاهيم المركزية التي وضعها إيزر والمتمثلة في:

–       القارئ الضمني

–       المدونة

–       الاستراتيجيات

 

القارئ الضمني

يعرف إيزر القارئ الضمني بقوله: عندما يتعلق الأمر بالقارئ الضمني، فإنه يجب أن نفهم من ذلك بنية القارئ الضمني المسجلة في النصوص. فالقارئ الضمني لا يملك وجودا حقيقيا، لأنه يجسد مجموع التوجهات المسبقة التي يقترحها نص تخييلي على قرائه الممكنين، والتي هي شروط تلقيه. فالقارئ الضمني، تبعا لذلك ليس مرسخا في أساس تجريبي، بل هو متجذر في بنية النصوص ذاتها.

القارئ الضمني إذن هو:

 

–       مجموعة من التوجيهات داخل النص.

–       شروط التلقي التي يوفرها النص لكل متلقيه الممكنين.

–       بنية مسبقة مسجلة في النص ذاته.

 

ومعنى ذلك أن النص الأدبي بدل أن ينقل لنا المدلول الذي يحمله بشكل مباشر، فإنه يقدم لنا مجموعة من التعليمات التي يمكن الارتكاز عليها لإنتاج المضامين الممكنة.

ويجب التأكيد على أن الحديث عن القارئ الضمني لا يلغي القارئ الفعلي الملموس، الذي يعتبر ضروريا لتجسيد القارئ الضمني أو على الأقل أحد وجوهه الممكنة، وبذلك نكون إزاء قارئين اثنين: قارئ مضمر أو ضمني وقارئ فعلي ملموس.

1. الأول هو الذي يخلقه النص لنفسه، ومعناه شبكة من البنيات التي تدفعنا للقراءة بطرق محددة، كما حددناه أعلاه.

2. الثاني هو الذي يتلقى النص بطريقة بعينها أثناء عملية القراءة، فَيُلَون النص بمخزون التجربة التي يحملها معه من خلال إعطائه دلالة بعينها.

وبهذا الفهم يصبح القارئ هو الآخر مؤلفا للنص وتصبح القراءة إبداعا.

ولذلك فإن تلقي نص من طرف قارئ ينتمي لفئة اجتماعية بعينها، يختلف عن قارئ ينتمي لفئة أخرى. وحسب هذه الرؤية، فإن تلقي رواية تتمحور حول إدانة وضع اجتماعي تغيب فيه العدالة، قد يتم من طرف قارئ متشبع بقيم الحرية والعدالة بوصفها دعوة للثورة، وقد يتم تلقي هذه الرواية ذاتها، من طرف قارئ مستفيد من وضع اجتماعي شبيه بالذي تتعرض له هذه الرواية، بوصفها دعوة إلى الفوضى والخروج على النظام.

 

 

      المدونة

       يقصد إيزر بالمدونة أو السجل Répertoire ما كان يسمى في الاصطلاح القديم بمضمون أو محتوى النص. ويمكن تعريفها بكونها العناصر التي تكون في الأصل خارج النص، والتي تدمج فيه أثناء عملية الكتابة. فالمدونة إذن، وحسب هذا التعريف، هي السياق السوسيوثقافي بمعناه الواسع الذي ظهر فيه النص والذي يستعمل أثناء عملية الإبداع والتلقي.

ويعرف إيزر المدونة بوصفها مجموعة من التعاقدات المشتركة التي يجدها المبدع والقارئ، والتي تعود لمرحلة سابقة على حدث القراءة (من مثل الأجناس الأدبية، الأساليب، خصائص شخصيات هذا النوع أو ذاك، التناص، المعايير الاجتماعية والتاريخية، إلخ).

وفي كل مرة يتم فيها تحيين المدونة في عمل أدبي ما، تخضع لعملية تكييف وتغيير لشكلها تبعا لإكراهات النص الجديد، وذلك لكي تأخذ الدلالات الملائمة لتكوين النص. والقارئ يجد نفسه في مواجهة هذه التغييرات، أثناء انخراطه في الظاهرة التي تسمى بإزالة الألفة أو الإغراب، الذي يُلزمه بإعادة النظر وإعادة تقييم كل العناصر المعروفة سابقا في علاقة بهذا العمل الأدبي الجديد. 

لذلك يذهب إيزر إلى أن المدونة التي يتم اختيارها لإدماجها في نص ما، تخضع لعملية تشويه منسجم déformation cohérente ، مما يفرض على القارئ الانتباه لذلك، لفهم ما خضعت له من تغيير في هذا النص أو ذاك أو هذا النوع الأدبي أو ذاك.

 

   الاستراتيجيات

    الاستراتيجيات لها علاقة بالقارئ الضمني، وذلك لأن المؤلف يعتمد مجموعة من الخطط كي يلفت انتباه القارئ المرسل إليه، فيترك في النص فراغات كافية تسمح بتنشيط عملية القراءة.  لذلك تحدث إيزر عما سماه بـ: بالمحلات المُبْهَمة Les lieux indéterminés والتي تتطلب تدخل القارئ لملئها. وذلك لأن هذه الأماكن غير المحددة أو المحلات المبهمة في النص تسمح للقارئ بإكمال العمل الأدبي بأفكاره الشخصية، مع مراعاة بنية النص التي تظل هي المعيار للتمييز بين القراءات الاعتباطية والقراءات الصادقة.

التحليل النفسي

       1 تنظير

التحليل النفسي منهج بيوغرافي

          يعتبر التحليل النفسي من المناهج التي تندرج في صنف المناهج البيوغرافية، أي تلك التي تربط الإبداع بمؤلفه وتعمل، من خلال تحليل العمل الإبداعي، على التوصل إلى تحديد العناصر النفسية التي تحكمت في كتابة مؤلفه له بهذا الشكل أو ذاك.

          العلاج والتحليل الأدبي

          وعلى الرغم من كون التحليل النفسي طرح بوصفه علما يدرس ويحلل الجانب النفسي للإنسان ويدرس الانحرافات، إلا أنه ارتبط منذ بداياته بالأدب والإبداع بصفة عامة، فقد عمل سيگموند فْرُويْد Sigmund Freud 1856 1939 وهو يحاول تشييد تصوره للنفس الإنسانية، على استحضار وتحليل إبداعات كل من سوفوكل ودوستويفسكي وشكسبير وسرڨانتس وگوته وستيفان زفايگ وغيرهم كثير (مأساة أوديب ملكا لسوفوكل وهاملت لشكسبير والإخوة كارامازوف لدوستويفسكي)، بحيث لا يمكن فصل تاريخ التحليل النفسي عن هذه الإبداعات.

          ولذلك فإن النصوص الأدبية كانت دائمة الاستحضار بوصفها أدوات تساعد فرويد على دعم أفكاره وتصوراته. بل أكثر من ذلك، فإن إحدى أهم الأفكار أو العقد التي توصل إليها فرويد والمرتبطة بالعلاقة التي يقيمها الطفل بأبيه وأمه والتي تشرط مسار حياته، سماها باسم إحدى الأساطير التي تحولت إلى أعمال أدبية، والتي تتمثل في أسطورة الملك أوديب. وتجدر الإشارة إلى أن التحليل النفسي لم يقتصر على الارتباط بالأدب، بل ارتبط كذلك بالفن والدين والتاريخ… رغبة في فهم الإنسان في إطار الثقافة التي تنتجه وينتجها، بحيث يمكننا الحديث عن بعد أنثروبولوجي للتحليل النفسي.

         الوعي واللاوعي

          عمل فرويد على تقسيم الجهاز النفسي إلى جزء واع وجزء لا واع، ويعتبر اللاوعي l’inconscient هو المفهوم المؤسس لتصوره النفسي. وهو يتضمن الأفكار المكبوتة refoulé والاستيهامات fantasmes أي الرغبات ذات الطابع الجنسي.

          ويمكن التمثيل للتصور الذي كان مسيطرا قبل فرويد بفلسفة ديكارت؛ فحسب ديكارت إذا كان الإنسان موجودا فذلك يرجع لكونه يفكر ولكونه واع بما يفكر فيه، وما لا علاقة له بالوعي فهو ينتمي إلى الجسد أي إلى المادة، لذلك اعتمد ديكارت قاعدته الشهيرة « أنا أفكر إذن أنا موجود »، وجعل الوعي هو مركز كل شيء لدى الإنسان، ولذلك فإنه يستحيل أن نستطيع الإحساس برغبة ما بشكل لاواع.

          وقد شبه فرويد الوعي واللاوعي بجبل الجليد العائم iceberg الذي تظهر قمته فوق الماء، فنتصور أن هذه القمة هي كل الجبل، ولكن بمجرد الغوص تحت الماء نكتشف أن هذه القمة ليست سوى جزء صغير وأن لها قاعدة ضخمة من الجليد تشكل امتدادا لها. فالوعي هو الآخر ليس سوى جزء صغير مثله في ذلك مثل قمة جبل الجليد، بينما اللاوعي وهو الجزء الخفي يحتل حيزا واسعا مثله مثل قاعدة جبل الجليد الضخمة. ولذلك أولى فرويد دورا هاما للاوعي في ضبط سلوكاتنا، وأظهر المعنى الخفي لهذه السلوكات وأزاح الوعي عن مركزيته متجاوزا بذلك التصور الديكارتي، فلم يعد الإنسان مختَزَلا في بعده الواعي، أي أن الوعي ليس إلاّ حالة من حالات حياتنا النفسية.

          ويبرز اللاوعي حسب فرويد في هفوات اللسان وزلات الأقلام والأحلام والإبداعات الثقافية، فكل هذه الظواهر تمثل انبجاس اللاوعي، وهي كلها أفعال يجب تناولها بجدّية والكشف عن معانيها ووظائفها، إذ تظهر لنا الأسرار الأكثر حميمية التي يسعى الفرد إلى إخفائها، وتثبت وجود الكبت لدى الفرد.  

          مركزية الجنس

          وما يميز تصور فرويد هو اعتباره الليبيدو La libido (الطاقة الجنسية أو الجنس) هو المحرك الأساسي للسلوك الإنساني، وليس الغذاء أو الاقتصاد مثلا كما يذهب إلى ذلك باحثون آخرون. بل أكثر من ذلك فإن فرويد يرى أن الطفل في سنواته الأولى يحس بميولات جنسية إزاء الوالدين من الجنس الآخر، والتي تتجسد في الغيرة من الأب من قبل الطفل الذكر والغيرة من الأم في حالة الأنثى، وهو ما يسميه فرويد بعقدة أوديب بالنسبة إلى الطفل وعقدة إليكترا بالنسبة إلى الأنثى، وهي عقد يتم كبحها وكبتها بسبب المجتمع والقيم التي يخضع لها.

          وقد أدى نشر فرويد لهذه الآراء في بداية القرن العشرين إلى اتهامه بتبني آراء متطرفة، ويذهب إلى اليوم الكثير من الدارسين إلى تأكيد أن فرويد ينسب للأطفال أشياء قد لا يفكر فيها حتى الكثير من البالغين، فما بالك بالأطفال.

          أقسام الجهاز النفسي

          ينقسم الجهاز النفسي حسب التصور الفرويدي إلى ثلاثة أقسام:

·       الأنا (Le moiخزان النزوعات الواعية

·       الأنا الأعلى (Le surmoiالبنية الأخلاقية، تصورات الخير والشر، المباح والممنوع.

·       الهو (Le çaوهو خزان النزوعات اللاواعية (الطاقة الجنسية والرغبة الجنسية وكذلك رغبات أخرى كالرغبة في الهيمنة والتحكم والرغبة في المعرفة).

 

Le Ça représente la partie pulsionnelle de la psyché humaine, il ne connaît ni normes (interdits ou exigences), ni réalité (temps ou espace) et n’est régi que par le seul principe de plaisir, satisfaction immédiate et inconditionnelle de besoins biologiques. C’est donc le centre des pulsions, des envies qui constituent l’énergie psychique de l’individu. Le Ça est une instance entièrement inconsciente

            يقول فرويد:

          « إننا نُشَبِّه نسق اللاوعي بغرفة انتظار كبيرة تتسارع بداخلها النزوعات النفسية كالكائنات الحية، وترتبط غرفة الانتظار هذه بغرفة أخرى أضيق منها شبيهة بالصالون، بداخلها يقيم الوعي أو الشعور. لكن عند مدخل الصالون يقف حارس يفحص كل نزوع نفسي ويفرض عليه الحظر ويمنعه من دخول الصالون إذا لم يرقه (. . .) وعندما يتم طرد بعض هذه النزوعات من طرف الحارس، بعد أن تكون قد وصلت إلى مدخل الصالون ولم تتجاوزه، فذلك لأنها غير قادرة على أن تصبح نزوعات مُدرَكة: نقول عنها إذ ذاك إنها نزوعات مكبوتة« 

 مدخل إلى التحليل النفسي

            إواليات اللاوعي:

            التحويل  Le déplacement

            التكثيف La condensation

            الكبت Le refoulement

          يعتبر التحويل (يترجمه البعض بالإزاحة) إوالية بواسطتها يَنْسُب الشخص انفعالا ما إلى هدف أو كائن، لم يكن يرتبط به هذا الانفعال مباشرة في بدء ظهوره. فهذه الإوالية التي يستعملها اللاوعي هي أشبه بالحيلة أو التمويه الذي يلجأ إليه اللاوعي حتى لا يكتشف الوعي نزوعاته واستيهاماته. فمثلا الأب الذي، حسب فرويد، نرغب جميعا بشكل لا واع في قتله، يتحول في الحلم أو الإبداع… إلى شرطي أو إلى شخص يمثل السلطة ونحول إليه رغبة القتل، بينما يظل الأب الذي ارتبط به هذا الشعور في أول الأمر خفيا.

          أما التكثيف فنجده في الحلم على وجه الخصوص، فالحلم الذي نرويه هو عبارة عن محتوى ظاهر ينقل محتوى خفي. والمحتوى الظاهر هو نوع من الطريق المختصرة وهو مقتضب لأنه يقوم على التكثيف: فيستعمل كلمة مكان كلمة أخرى ويستعمل صورة للتعبير عن مجموعة من الأفكار… لذلك فشخصية ما في الحلم قد تكون لها قسمات أحد الأقرباء وصوت إحدى الجارات مثلا وملابس صديق معروف… بحيث يتم تكثيف ثلاث أو أربع شخصيات في شخص واحد. ولذلك يقال بأن التكثيف يضفي على نص الحلم نوعا من الغموض الذي يفرض على من يريد فهمه أن يقوم بتأويله، وذلك لأنه أشبه بالاستعارة.

          أما الكبت فهو محاولة الشخص دفع رغباته وصدها وإبقائها في اللاوعي، وهو يلعب دورا في الاضطرابات النفسية. ودور التحليل النفسي يتمثل في جعل المريض يثق في المحلل ويعلن له عن ذكرياته وأفكاره ورغباته المكبوتة التي هي السبب اللاواعي للاختلال الذي يعاني منه، أي التصريح بما كبته منذ طفولته ونقله إلى حيز الوعي ليتحرر من العقد التي يسببها له.

          وفرويد يدعو لتجاوز الكبت، وهذا ما يشرحه عندما يدعو إلى اعتماد طريقة للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها. ويقدم مثالا لذلك بمُحَاضِر يجد نفسه إزاء عنصر مشاغب يمنعه من إلقاء محاضرته، فيطلب من المنظمين إخراجه. لكن بمجرد تواجد العنصر المشاغب في الخارج يُحْدِث من الضجيج أكثر مما كان عليه الأمر وهو داخل القاعة، فينتهي الأمر بالسماح له بالدخول بشرط عدم إثارة الفوضى. هذه الاستعارة تبين هدف التحليل النفسي والمتمثل في ضرورة الوعي بما يزعج ويثير من الداخل، والعمل على أن نوفر له مكانا بدل التخلص منه وطرده إلى الخارج أو تجاهله أي كبته.

          حدود التحليل النفسي               

          تعرضت نظرية فرويد للكثير من النقد، إذ رفضتها الفلسفات التي تنطلق من حرية الإنسان والتي تؤمن بأن الإنسان حر وواع بسلوكاته، على عكس فرويد الذي يجعل الإنسان أسير لاوعيه وعقد طفولته. كما رفضتها الفلسفات الأخلاقية، على اعتبار أننا عندما نضخم اللاوعي، نسير ضد الأخلاق ونقع في نوع من الحتمية التي يصبح الإنسان أسيرا لها.

          أما ميشيل أونفراي Michel Onfray فيذهب أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن كل ما تحدث عنه فرويد، ما هو إلا قضايا شخصية عمل على تعميمها على البشرية جمعاء وأكسبها بعدا كونيا لا تستحقه.

أما في السنوات الأخيرة وبعد تقدم أبحاث الدماغ، فقد انتهى علماء هذا التخصص الدقيق إلى حد نقد مفهوم اللاوعي الفرويدي من أساسه، وذلك لعدم تطابقه مع ما انتهت إليه العلوم العصبية.  وفي هذا الشأن يقول ليونيل نقاش:  » إن جوهر اللاوعي في التحليل النفسي الفرويدي، أي مفهوم الكبت وبعض التمثلات الذهنية اللاواعية المفترضة من طرف فرويد، تناقض بشكل مطلق كل ما نعرفه اليوم عن طريقة اشتغال الذهن ووظائفه. ففرويد حسب بعض الدارسين نسب إلى اللاوعي خصائص ذات علاقة وثيقة بالوعي. فاللاوعي، كما يقدمه التصور الفرويدي، ليس سوى وعي الذات التي تؤول حياتها الذهنية الخاصة في ضوء معتقداتها الواعية.

 

2 تظهير

ألف ليلة وليلة

من منظور التحليل النفسي

Bruno Bettelheim. Psychanalyse des contes de feés.

          في تحليله لبعض نصوص ألف ليلة وليلة من زاوية التحليل النفسي، يؤكد برونو بيتلهايم أن تعدد حكايات هذا المتن يرجع إلى أن حكاية واحدة لا تكفي لحل مشاكلنا النفسية، لذلك فإن تعدد الحكايات يعكس تعدد المشاكل وتعقدها.

          في الحكاية الإطار لألف ليلة وليلة التي تندرج ضمنها نصوص حكائية متعددة، يجد القارئ نفسه إزاء شخصين اثنين: شهريار وشهرزاد، وهما معا يمثلان نزوعاتنا العدوانية التي إذا لم يتم التحكم فيها أدت، حسب بيتلهايم، إلى دمارنا

          الملك شهريار يرمز إلى شخص يهيمن عليه (الهو) (اللاشعور) بشكل مطلق، بعد فقدان (الأنا) للسيطرة عليه، على إثر تعرضه لخيبات وإحباطات جنسية بسبب خيانة زوجته له.

          و(الأنا) كما يؤكد بيتلهايم توجد من أجل حمايتنا من هذه الإحباطات.

          الشخصية الثانية هي شهرزاد التي ترمز إلى (الأنا) والتي تظهر واضحة في تقديم ألف ليلة وليلة لها بوصفها متعلمة عارفة بالشعر والحكايات والحكم، كما أنها فاضلة متدينة، وهي كلها صفات تنتمي إلى الأنا.

          هكذا نكون في هذه الحكاية الإطار إزاء (هو) غير متحكم فيه، يتحول إلى (هو) متحضر مجسد في الملك شهريار، بعد مسار طويل بفعل (أنا) مشخص في شهرزاد.  لكنها أنا يهيمن عليها (الأنا الأعلى) لأنها كما تخبر مصممة على أن تنقد بنات جنسها أو أن تموت معهن. وبذلك فهي تمثل الواجب أخلاقي.

          ويلاحظ بتلهايم أن لدى شهرزاد (أنا) يهيمن عليها (الأنا الأعلى) وهي منفصلة تماما عن (الهو) الأناني، بينما الملك شهريار يهيمن عليه (الهو) الذي قطع كل علاقة له بـ (الأنا) وبـ (الأنا الأعلى)

          عندما سيتصالح لدى شهرزاد الأنا الأعلى المتمثل في رغبتها الأخلاقية في إنقاذ بنات جنسها والهو المتمثل في حب الملك وإنقاذه من الحقد، آنذاك ستصبح شخصية مندمجة وتكون قد حررت العالم من الشرور وأسعدت ذاتها ومن يحيط بها.

          الحكايات إذن ذات قوة تغييرية خارقة لأنها قلبت في النهاية الحقد القاتل إلى حب جارف.

          يلاحظ برونو بيتلهايم أن شهرزاد في تنفيذها لخطتها، كان بصحبتها شخص ثالث هو أختها دنيازاد، وتروي ألف ليلة وليلة أن شهرزاد ستطلب منها، عندما يكونا معا بحضرة الملك، أن تترجاها لسرد حكاية لها وللملك بدل النوم.

   

Commentaires
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -