Nouvelles

مفهوم التوطين وأهميته

  مفهوم التوطين وأهميته


إن دراسة أي مؤسسة من مؤسسات القانون، كما هو معروف لا يمكن أن يستقيم بدون تحديد مفهوما أولا، وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن التعاريف غالبا تبقى من اختصاص الفقه وليس المشرع، وإن كانت هذه القاعدة تعرف بعض الاستثناءات كما في إطار التوطين الذي بين أيدينا .

وعليه فإنه قبل تحديد أهمية التوطين ودوره في تشجيع إنشاء المقاولات (المطلب الثاني) لا بد بداية من تحديد مفهومه (المطلب الأول).

المطلب الأول : مفهوم التوطين

ينبغي بداية التعرض لمفهوم التوطين من الناحية اللغوية (الفقرة الأولى) قبل التعرض إليه من الناحية الاصطلاحية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التوطين من الناحية اللغوية

إن "التوطين" يرتبط باسم "موطن"، والموطن لغة مأخوذ من الأحرف الثلاثة "و "ط" ن"، أو ما يصطلح عليه بمادة الاشتقاق للكلمة، وعرفه أبو الفضل بن منظور في قاموس لسان العرب بمنزل الإقامة، وهو موطن الإنسان ومحله وجمعه أوطان، ووطن بالمكان وأوطن أي أقام، وأوطنه اتخذه وطنا، والموطن مفعل منه وجمعه مواطن [28].

وجاء لفظ الموطن في القرآن الكريم : (ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة) [29].

أما لفظ "الموطن" من الناحية الاصطلاحية، وحسب بعض التعاريف الفقهية30، فهو عبارة عن تصور افتراضي بوجود الفرد في مكان معين، كما اعتبره فقه آخر بأنه عبارة عن رابطة قانونية بين شخص وبلد معين مما يجعله يتمتع إراديا بحقه في الإقامة العادية والرئيسية بهذا المكان أو البلد؛ كما وضع مارتي وراينو تعريف للموطن على أساس أنه عبارة عن حيز جغرافي أو منطقة إقليمية يتخذها الشخص مقاما أو مقرا للعمل؛ كما عرفه الفقیه جون كاربونيي بأنه قرينة بسيطة لحضور دائم ومستمر بمكان معين، واعتبره البعض بأن المكان الذي يفترض الإقامة فيه بصفة دائمة، حتى تسري عليه التصرفات القانونية.

الفقرة الثانية: التوطين من الناحية الاصطلاحية [31]

تجدر الإشارة إلى أن مصطلح "Domiciliation" في إطار المعاجم القانونية المتخصصة يفيد معنين، المعنى الأول يرتبط بتوطين المقاولات التجارية وتحديد مقرها، أما المعنى الثاني فهو يفيد تعیین محل الأداء أو الوفاء فيما يخص الأوراق التجارية [32].

ومن التعاريف المقدمة بصدد التوطين "اختيار شخص للمكان الذي سيستقر فيه مرکز تجارته؛ وبالتالي قيام الشخص الذي يطلب تسجيله في سجل التجارة ببيان المكان المختار وتبرير الاختيار، بمفرده أو مع غيره، للأماكن حيث يستقر فيها مركز المؤسسة [33]".

ولقد عرف المشرع المغربي التوطين في إطار المادة 544-1 باعتباره عقدا " يضع بمقتضاه شخص ذاتي أو اعتباري، يسمى الموطن لديه، مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن إشارة شخص آخر ذاتي أو اعتباري، يسمى الموطن لإقامة مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي، حسب الحالة".

بعبارة أخرى هو العقد الذي تقوم من خلاله مقاولة متخصصة باقتراح مقر اجتماعي (أو مقر المقاولة بالنسبة للمقاولة فردية ) لمقاولة أخرى بناء على طلبها [34].

وقد عرفت محكمة النقض الفرنسية التوطين في أحد قراراتها 35" باعتباره بمثابة العملية التي تقوم على تخصيص محل لشخص ذاتي أو اعتباري من أجل استخدامه كمقر لمقاولته والذي يخصصه كمكان للتواصل مع الأغيار وممارسة النشاط التجاري [36]".

من التعاريف الفقهية المقدمة أيضا بشأن "التوطين"، هو اعتباره بمثابة العملية التي تمارسها المقاولة المتخصصة، حيث تلتزم بتوفير مقر لمقاولة معينة، أي إقرار عنوان بريدي مع خط هاتفي وسكرتارية وذلك للدخول في علاقات مع الأغيار [37].

كما عرفه آخرون، بكونه العملية التي تقوم على الحصول على عنوان من أجل استيلام الرسائل وكذلك الحصول على خط هاتفي وفاكس [38].

وقد عرفه الأستاذ المهدي شبو باعتباره "عقد تضع بموجبه مقاولة بنياتها التحتية وعنوانها رهن إشارة مقاولة أخرى مقابل بدل مالي "39 أو هو "مجرد استضافة لشخص طبيعي أو اعتباري لم يتمكن أو لم يشأ أن يعتمد محلا خاصا كمقر لأنشطته، وكعنوان للمخابرة بالنسبة إليه[40]"، والمحل الموطن فيه بهذه الصورة لا يعدو أن يكون صندوق بريد للمقاولة الموطنة[41].

من خلال التعاريف المشار إليها أعلاه يمكننا صياغة التعريف التالي:

إن التوطين هو عبارة عن نشاط تجاري يمارس في إطار عقد يبرم بين الموطن لديه قد يكون شخص ذاتي أو اعتباري) والموطن (شخص ذاتي أو اعتباري)، ويكون موضوع هذا العقد بالأساس هو الحصول على مقر للمقاولة، دون أن يكون للموطن صلاحيات واسعة على مستوى المحل، حيث يمكن الموطن لديه الموطن من بعض الصلاحيات اللازمة لبدء النشاط، في انتظار تسوية وضعيته المالية وتوفير الامكانيات المادية اللازمة، وتتمثل غالبا الامتيازات التي يخولها عقد التوطين في الحصول على عنوان الضمان المراسلة والتبليغ بالنسبة للموطن في علاقته مع الأغيار؛.

المطب الثاني: أهمية التوطين [42]

 إن إصدار القانون 89.17 سيساهم بلا شك في حل إشكالية إيجاد المقر بالنسبة للمقاولات (الفقرة الأولى) وكذلك في توفير وضمان الأمن القانوني الذي ظل غائبا قبل صدور القانون المذكور (الفقرة الثانية) واقتصاد المصاريف بالنسبة للمقاولات الموطنة (الفقرة الثالتة)، ثم ضان إنشاء المقاولات (رابعا) فمحاربة القطاع غير المهيكل (الفقرة الخامسة).

ولا شك أن مختلف هذه الإيجابيات ستنعكس بشكل أو بآخر على مستوى إنعاش وتحفيز الاستثمار (سادسا).

الفقرة الأولى: التوطين وحل وإشكالية المقر

الأصل أن أي شركة تطلب التسجيل في السجل التجاري، يجب أن تتوفر على مقر اجتماعي، إذ يعتبر التجسيد المادي للشخص المعنوي، وتجسيدا للأهمية التي يمثلها موطن الشركة في توفير إشهار للشركة لدى الشركاء والدائنين والأغيار، جعل المشرع من البطلان الجزاء المترتب عن خرق شكلية الإشارة إلى مقر الشركة، ضمن النظام الأساسي للشركة [43] .

وتجسد ذلك بالنسبة للأشخاص الاعتباريين المادة 45 م.ت، إذ توجب الإشارة إلى المقر الاجتماعي، وألزم المشرع كذلك المؤسسات العامة ذات الطابع الصناعي أو التجاري الخاضعة بموجب قوانينها إلى التسجيل في السجل التجاري، وكذلك الممثليات التجارية أو الوكالات التجارية للدول أو الجماعات أو المؤسسات العامة الأجنبية ضرورة الإشارة إلى المقر الاجتماعي وذلك في المادة 47 م.ت كما ألزمت المادة 48 م.ت، المجموعات ذات النفع الاقتصادي تضمين عنوان مقر الشركة،

أما بالنسبة للأشخاص الذاتيين فقد نصت المادتان 40 و 42 م.ت على ضرورة الإشارة إلى المقر الاجتماعي، ورتبت على عدم تضمين ذلك عدم قبول طلبها للتسجيل في السجل التجاري، في هذا الإطار أوصت لجنة التنسيق في توصية تحت رقم 34 على أن لا يسجل في السجل التجاري من لا يتوفر على محل تجاري قار 45.

من خلال ما سبق يمكن القول أن التوطين سيساهم في حل هذه الإشكالات من خلال ضمان مقر للمقاولات التي تعوزها إمكانياتها الذاتية في اقتناء مقر أو اكترائه.

الفقرة الثانية: التوطين ومبدأ الأمن القانوني

إن إقرار القانون المذكور سعى المشرع من خلاله إلى سد الفراغ القانوني في هذا المجال، حيث كانت تثار العديد من الإشكاليات في هذا الإطار، حيث لم يكن يتضمن التشريع الوطني اية مقتضيات تشريعية أو تنظيمية تهم عقد المساكنة أو التوطين ،فأمام غياب نص خاص ينظم التوطين كان هناك تضارب على مستوى المحاكم المغربية فيما يخص عقد التوطين 46، وهذا كان يمس بمبدأ الأمن القضائي والأمن القانوني، وذلك بالرغم من الإشارة التي تمت إليه في المرسوم رقم 2.02.350 الصادر بتاريخ 17 يوليوز 2002 بشأن المطبوع الموحد لإنشاء المقاولات عن طريق المراكز الجهوية للاستثمار، والذي أورد تعدادا للوثائق الواجب الإدلاء بها من قبل الشخص الاعتباري طالب التسجيل ، عدة وثائق من بينها " رسم الملكية أو عقد الكراء أو شهادة المساكنة لدى شخص معنوي".

ومن أجل معالجة هذا الإشكال، صدرت توصية عن اليومين الدراسيين الذين عقدتهما وزارة العدل بتاريخ 1 و 2 فبراير 2003، تقضي بأنه «تسهيلا لعمليات تأسيس الشركات يمكن استثناء قبول التسجيل بمقتضى عقد المساكنة، على أنه حماية للمتعاملين مع كلتا الشركتين متساكنتين، فإنه يطلب من الشركة التي ترغب في التسجيل، تسوية وضعيتها داخل اجل ثلاثة أشهر قابلة للتجديد عند الاقتضاء مرة واحدة، وإذا لم تتم التسوية يلجأ إلى مسطرة التشطيب طبقا للقانون»، وهو نفس الرأي الذي تم تبنيه لاحقا من طرف "لجنة التنسيق" المحدثة بمقتضى المادة 21 من المرسوم المؤرخ في 18 يناير 1997 المتعلق بالسجل التجاري .

إلا أنه بالنظر إلى استمرار العديد من مصالح السجل التجاري في إلزام طالب التسجيل بإرفاق بشهادة المساكنة بعقد كراء المحل موضوع المساكنة، فقد وجه وزير العدل الرسالة الدورية عدد 7 س 2 بتاريخ 24 فبراير 2011، للرؤساء الأولين لمحاكم الإستئناف ومحاكم الاستئناف التجارية والوكلاء العامين لديها، وإلى رؤساء المحاكم الابتدائية ورؤساء المحاكم التجارية ووكلاء الملك لديها، أكد فيها على أنه لا وجود لمقتضيات منظمة للمساكنة ، ولا لأي مقتضى يلزم إرفاق عقد الكراء بشهادة المساكنة.

وبالرغم من تأكيد وزارة العدل على الطابع المؤقت لعقد المساكنة، والذي لا يمكن أن يتجاوز ستة أشهر في جميع الأحوال، والذي تطبقه جميع المراكز الجهوية للاستثمار، فإن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش نحت في اتجاه تكريس الطابع الدائم لهذا العقد من أجل ضمان حماية للشركة المستفيدة منه مستندة في ذلك على انعدام أي نص قانوني يقيد مدته، بحيث جاء في قرار صادر عنها على أنه «حيث إن الأمر المطعون فيه قضى بالتشطيب على المستأنفة من السجل التجاري على أساس أنها لا تتوفر على مقر اجتماعي، وأن تسجيلها بالسجل التجاري تم بصفة مؤقتة في انتظار تسوية وضعيتها، وأنها أنذرت من أجل ذلك غير أنها لم تستجب للإنذار الموجه لها. لكن حيث إن المستأنفة سجلت بالسجل التجاري على أساس عقد المساكنة الذي يربطها مع شركة افست کونساي مراکش والمحرر بتاريخ 22 شتنبر2006، وأن القانون يشترط لتسجيل الشركات أن تبين مقرها الاجتماعي، وأن المقر الاجتماعي يقصد به موطنها والمكان الذي يمكن مراسلتها فيه ويضمن بمراسلاتها ووثائق معاملاتها، وأن القانون لا يشترط أن يكون هذا المقر ملكا للشركة أو أن تشغله بموجب عقد الكراء، وأن عقد المساكنة لا توجد أية مقتضيات قانونية تنظمه، وليس هناك أي نص قانوني يمكن اعتماده للقول بأن المقر الاجتماعي الذي تشغله الشركة عن طريق المساكنة هو مقر مؤقت وأن عليها تغييره داخل أجل معين تحت طائلة التشطيب عليها من السجل التجاري ، وأن الأمر المطعون فيه يبقى غير مرتكز على أساس قانوني ويتعين إلغاؤه، والحكم من جديد برفض الطلب وترك الصائر على الخزينة العامة (القرار رقم 312 الصادر بتاريخ 2008/ 03 / 04 في الملف رقم 2007/ 1337 ، منشور بالموقع الإلكتروني للمحكمة www.cacmarrakech.ma ).

ومن مظاهر هذا التضارب وانعدام الأمن بما يلي: منع توطين الشخص الطبيعي سواء من طرف شخص طبيعي مثله أو من طرف شخص معنوي باستثناء حالات ضيقة، أيضا الاختلاف على مستوى مدى صلاحية الشخص الطبيعي في أن يوطن غيره؛ كما أن بعض المحاكم كانت تقصر- التوطين على الشركات التي يؤسسها أشخاص أجانب دون الشركات المؤسسة من طرف المغاربة[47]، وغيرها من الإشكاليات الأخرى التي عمل القانون 89.17 على تجاوزها. 


غير أنه من أبرز الإشكالات التي كانت تثار هو المدة الخاصة بهذا العقد والصفة المؤقتة له، حيث أن العديد من الأوامر الرئاسية كانت تذهب إلى الاعتراف بالصفة المؤقتة لهذا العقد، والتي يتعين ألا تتجاوز مدة معينة؛ ومن هذه الأوامر ما جاء عن نائب رئيس المحكمة التجارية بمكناس [48] "............ما يحتم التشطيب عليها من هذا العنوان بعد فوات أجل المساكنة والذي حسب المتعارف عليه عمليا لا يتعين أن يتجاوز في جميع الأحوال ستة أشهر كحد أقصى........... .

أيضا ما جاء في بعض الأوامر الأخرى [49] "...ما يحت التشطيب على عنوان الشركة CRAMER QUALITY من السجل التجاري الخاص بها تفاديا لأي إضرار

بمصالح الطالبة كمكترية ومعتمرة حاليا للمحل، وكذلك لمجرد فوات أجل المساكنة والذي حسب المتعارف عليه عمليا لا يتعين أن يتجاوز في جميع الأحوال ستة أشهر كحد أقصى............. .

وعليه، فإنه وأمام تزايد النزاعات والمشاكل التي كانت تترتب عن عقد المساكنة (التوطين)، ونظرا لقصر - المدة التي كانت تتيحها المساكنة آنذاك، وفي ظل انعدام نص خاص ينظم العملية وأطرافها ومدتها، فإن الفقه كان يهيب بضرورة تدخل المشرع من أجل التدخل لتنظيم المساكنة وإخراجها من طابعها الاسثتنائي الذي كان معمولا به [51];

وهو ما يمكن القول معه أنه قد تحقق وذلك بصدور القانون 89.17  القاضي بتغيير وتتميم القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة ، الذي تممت المادة الثانية منه أحكام الكتاب الرابع منه المتعلق بالعقود التجارية بالقسم الثامن المتعلق بالتوطين2، والذي أزال مختلف هذه الإشكالات  القانونية والعملية التي كان يطرحها التوطين ،  ومن خلاله الإتيان بمجموعة من التسهيلات بالنسبة للشركات الحديثة النشأة أو الموطنة، بحيث لها أن تختار مقرها لدى شخص آخر ذاتي أو اعتباري، يسمى الموطن لديه3.

 تمت الاستفادة في هذا من التنظيم القانوني الذي خص به المشرع الفرنسي توطين الأشخاص المقيدة، وذلك بمقتضى القانون رقم 721-2003 الصادر بتاريخ 1 غشت 2003 المتعلق بالمبادرة الاقتصادية والمعدل بمقتضى القانون رقم 882-2005 الصادر في غشت 2005، وبمرسوم القانون رقم 104-2009 بتاريخ 30 يناير 2009، والذي أضاف المواد من 10-123 .L إلى 8-11-123 .L إلى م ت ف، والتي بدورها أحالت على مراسيم تم تبنيها بتاريخ 9 ماي 2007 تحت رقم 750-2007 وبتاريخ 30 دجنبر 2009 تحت رقم 1695-2009، والتي أدمجت في مدونة التجارة بمقتضى المواد 1-166-123.R إلى .171-123.R.

وقد كان القضاء الفرنسي سباقا إلى الاعتراف بالتوطين حتی قبل تدخل المشرع، حيث قضت محكمة باريس في حكم صادر عنها بتاريخ 1995/ 07 / 7 بأنه لا يمكن استبعاد تسجيل شركة ذات مسؤولية محدودة بسجل التجارة والشركات بعلة دن مقرها متواجد بمركز للتوطين.

 إن هذا القرار حاول التخفيف على مؤسسي الشركات من خلال عدم إلزامهم بالتوفر على مقر خاص بالشركة سواء على سبيل الملكية أو بموجب عقد كراء، خاصة مع ارتفاع تكلفة شراء المقر وغلاء قيمة الوجيبة الكرائية للمحلات التجارية في العديد من المدن الكبرى، بحيث يمكن لهم فقط إبرام عقد توطين مع شركة قائمة يصبح معه مقر هذه الأخيرة مقرا أيضا للشركة الجديدة، ...، رغم أنه ليس هناك ما يمنع من تنظيم عقد المساكنة بشكل قانوني يتيح للشركات حدينة النشاة من إبرام عقد مساكنة مع شركة قائمة لمدة محددة فقط تكون بعدها ملزمة باكتراء أو شراء مقر جديد لها، والقيام بمختلف التعديلات اللازمة بنظامها الأساسي، والتصريح بالمقر الجديد لدی كافة الإدارات العمومية المعنية .يجنب هذا الاقتراح أيضا الإشكالات التي يطرحها المقر عند تأسيس الشركة، والمتمثلة علىىالخصوص في صعوبة تحويل ملكية المقر للشركة في طور التأسيس أو إبرام عقد كراء لفائدتها، وذلك لعدم توفرها على شخصية اعتبارية تؤهلها لاكتساب الحقوق أو إبرام التصرفات القانونية باسمها ولحسابها" . م س. طبعة 2016.


الفقرة الثانية: اقتصاد المصاريف

إن غلاء أسعار اقتناء أو كراء مقرات للشركات حديثة النشأة[52] هو من بين الأسباب الرئيسية في إصدار قانون التوطين.

فإذا كان يقع على عاتق كل طالب تقييد في السجل التجاري إلتزام بإثبات حقيقة مقر نشاطه la réalité de son siege، ويتجسد ذلك في مراقبة توفره فعليا على محل لإيواء المقر الذي يمكن المتعاملين معه من تبليغه أو مراسلته على عنوانه؛ ويمكن إثبات حقيقة المقر بشتى الوسائل منها إثبات ملكية المحل أو تقديم عقد كراء بشأنه لكن عند عدم تأتي كل ذلك، يسوغ للمقاولة أن توطن نفسها لدى الغير لذا تمكن هذه التقنية المقاولة المستفيدة من عنوان قار دون إلزامها بتحمل مصاريف كراء الأماكن [53] .

وعليه فإن التوطين قد أخد أبعاده الإقتصادية بعد غلاء أثمنة إقتناء العقارات وتضاعف أثمنة الكراء سيما في المدن الإقتصادية الكبرى في العالم، حيث تنامت شركات التوطين 'entreprises societes de domiciliation d'، التي أخذت تستقر فيها يعرف بمراكز الأعمال centre d ' affaires ، وتقدم خدمات شتى في مجال إيواء المقاولات بشكل جعلها فاعلا رئيسيا في قطاع الخدمات وفرض التوطين كمؤسسة قانونية قائمة الذات [54].

وقد أبرز الأستاذ بنستي أهمية التوطين في قوله "والتي تساهم في تسهيل استقرار المقاولات الحديثة النشأة، والتي تجد صعوبة في الحصول على محل نظرا لارتفاع كلفته وخاصة بالنسبة للمقاولات الجد الصغرى؛ وتظهر أهمية التوطين من خلال خلق مقرات للمقاولات المبتدئة في نشاطها، والتي تحتاج إلى المصاحبة والمواكبة والمساعدة، كما تظهر أهمية وكالات التوطين التي تمكن من منح المقاولة عنوانا موجها للاستعمال في التعامل مع الأغيار..."[55].

إن اختيار محل متلائم ومتطلبات التجارة، هو في غاية الأهمية لأنه يعكس صورة المقاولة، كما أن تغيير العنوان الخاص بالمقاولة هو دائما أمر مكلف (خاصة فيما يخص نقل أدوات المقاولة والإشعارات المنقولة للزبناء...)، كما أن المكري يحدد مبالغ مهمة بالنسبة للمقاولة الجديدة (بالنظر إلى تطبيق مقتضيات الكراء التجاري)56؛ وهذا كله يبرز أهمية التوطين بالنسبة للمقاولات.

وكما سبقت الإشارة فإن التوطين التجاري لا يعطي للموطن صلاحيات واسعة 57 على مستوى المقر، بخلاف عقد الكراء، وهذا يعتبر السبب الرئيسي في انخفاض تكلفته.

من خلال ماسبق، يمكن القول أن التوطين من شأنه أن يعوض عقود الكراء التجاري أو اقتناء المحلات التجارية، الشيء الذي يعد مكلفا بالنسبة للمقاولات الصغيرة والناشئة.

الفقرة الرابعة: ضمان إنشاء المقاولات

تتجلى أهمية التوطين فيما يخص إنشاء المقاولات، ذلك أن عملية التوطين تشكل بديلا بالنسبة للمقاولات في بداية نشاطها، وعادة ما يلجأ إلى التوطين من طرف المقاولات المصدرة الراغبة في التواجد بالخارج إما للقرب من أسواقها أو لدواعي تنظيمية بحتة وتعرف التقنية رواجا كبيرا سيما مع ظهور مراكز الأعمال الكبرى المجهزة بكافة الوسائل المادية التي تسهل استقبال المقاولات الراغبة في هذه الخدمة [59].

وحسب إحصائيات الجمعية المغربية لمراكز الأعال [60]، فإن 72% من المقاولات التي تم إنشاءها على مستوى مدينة الدار البيضاء تلجأ في بداية نشاطها إلى التوطين ، و 20 إلى 25% من هذه النسبة هي مقاولات تم إنشاءها من طرف الأجانب [61].

وينبغي التاكيد على أنه من بين الإشكاليات التي تثار بشأن إنشاء المقاولات والتي يعاني منها هذا القطاع، هي تلك المتعلقة بمحل المقاولة، حيث أصبح من الصعب الحصول على محل تجاري لإنشاء المقاولة خاصة المقاولات الصغرى[62] ، وعليه فالتوطين جاء حلا لخلق المقاولة (أي العنوان).


الفقرة الخامسة : التوطين ومحاربة القطاع غير المهيكل

إذا كان المشرع المغربي قد ربط إجراء التسجيل في السجل التجاري بالتوفر على المحل بالمغرب، فإنه أقصى بذلك الباعة المتجولين من القيد في السجل التجاري لعدم وجود محل ثابت لهم [64]، وحسب البعض فإنه يتعين إعادة النظر في هذا الأمر لأن الواقع عكس ذلك، ذلك أن البعض يتوفر على مستودع خاص وتجارتهم تكون مربحة ومؤثرة في الاقتصاد الوطني، ثم أن عدم تسجيلهم يضر بمصالحهم قبل كل شيء [65].

وعليه فإن التوطين كعملية تجارية، سيساهم لا محالة في إيجاد حلول لتثبيت واستقرار الباعة المتجولين الذين مافتئوا يحتلون الأماكن العمومية بطرق غير قانونية، ويشكلون منافسة غير مشروعة لأصحاب المحلات التجارية، كما سيساهم في إيجاد حل للتجار الصغار وللمقاولات التي توجد في حالة عطب يتعلق بالمقر الاجتماعية66.

الفقرة السادسة : تحفيز الاستثمار

ينبغي التأكيد بداية أن مختلف الآثار الإيجابية المشار إليها أعلاه، من شأنها أن تعكس إيجابا إما بشكل مباشر أو غير مباشر على الاستثمار.

وعليه فإن إصدار قانون التوطين من شأنه أن يساهم في تعزيز الاستثمار، ذلك أن القانون المذكور لم يتضمن أي تقييد فيما يخص الجنسية، وعليه فإن جميع المستثمرين كيف كانت جنسيتهم من شأنه أن يمارس نشاط التوطين؛ وهذا من شأنه أن يولد منافسة منظمة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية [67].

وعموما فإن إقرار التوطين بموجب القانون 89.17 بصفة عامة من شأنه أن ينعكس إيجابا على تحسين مناخ الاستثمار من جهة، وتأطير ومواكبة مناخ الاستثمارات وقانون الأعمال من جهة أخرى، مع ما يقتضيه الأمر بخصوص تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية والقانونية المحدثة للمقاولة، ومقتضيات المواكبة والتأهيل القمينة يجعل المقاولة في مستوى التنافسية الحادة التي تفرضها الأسواق الوطنية والدولية [68].



المراجع

 28 - لسان ، أبو الفضل جمال الدين بن منظور محمد بن مكرم الأنصاري، دار صادر، بیروت، ص 239.

 29 - سورة التوبة، الآية 25.

 30 - أوردت هذه التعاريف سعاد الزروالي، "الموطن في التشريع المدني المغربي والمقارن"، مجلة القضاء المدني، العدد 14، صيف/خريف 2016 مطبعة المعارف الجديدة الرباط، 2017، ص46.

31 -يقصد في هذا الإطار بالتوطين من الناحية الاصطلاحية، أي من الناحية القانونية

 32 - أنظر بهذا الشأن

-Gérard Cornu, vocabulaire juridique, presses uinversitaires de france, 1reédition, 1987, page 282. -Abdel Fattah Mourad, dictionnaire juridique, economique et commercial, Volume I, page 823. -Rami Abou sleiman, Vivianne Shami, Fadi A.Farhat, dictionnaire juridique, dar alkotob al-ilmiyah, 2007, lebanon, page 214. -lexique des termes juridiques, édition dalloz 2005, 15e édition, page 235. 33 -Abdel Fattah Mourad, ouvrage précité, page 823.

34 -création d'entreprises formules et modèles, édition LexisNexis, 2006, page 114. 

35 -Cour de cassation, chambre commerciale, Audience publique du 18 octobre 1994, N° de pourvoi :92-16251, non publié au bulletin. 

36 -« .. enfin que la domiciliation est la simple affectation par une personne physique ou morale d'un local déterminé comme siège de son entreprise et, partant, comme lieu où elle est réputée à l'égard des tiers exercer son activité commerciale ...».

 37 -Paul Le Cannu, Droit des sociétés, édition librairie générale de droit et de la jurisprudence, 2e édition ,2003, page 251.

 38 - Marianne Chironnier et Géraldine Binquet, Le guide du bail commercial, édition delmas, 2e édition, page16.

39 - المهدي شبو، الدليل العملي في السجل التجاري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2009، ص94

40 زهير نعيم، القانون التجاري (التاجر- الأنشطة التجارية الأصل التجاري)، ، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، الطبعة الأولى 2019، ص140.

41 - Bernard Saintourens, domiciliation de l'entreprise commerciale ou artisanale exercée par une personne physique, RTD com 2003, page 690.

42 - أهمية التوطين سيتم تناولها من خلال شقين: دور القانون في حد ذاته تم تناول عملية التوطين كإحدى أهم المستجدات التي جاء بها القانون المذكور.

43 - عبد اللطيف إدوطفرت، المنازعة في السجل التجاري، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص،جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش، السنة الجامعية 2010-2011، ص32.

 44- عبد اللطيف إدوطفرت، مرجع سابق، ص 32 و 33.

 45 - عبد اللطيف إدوطفرت، مرجع سابق، ص33.

46 - أو عقد المساكنة كما كان يسمى.

 47 -أنظر المهدي شبو، مرجع سابق، ص98 و99.

 48 - المحكمة التجارية بمكناس، ملف رقم7/ 8103 / 2018 ، أمر رقم 1527/ 2018 ، بتاريخ 2018/11/09.

49 - المحكمة التجارية بمكناس، ملف رقم 359/ 8103 / 2018 ، أمر رقم 359/ 2018 ، بتاريخ 26/ 03 / 2018 .

50 - قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بمراكش رقم 312 صادر بتاريخ 2008-03-4، رقمه بمحكمة الاستئناف التجارية 1337

/ 2 / 2007 ، منشور بمجلة المحاكم التجارية، العدد الخامس والسادس فبراير 2010، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، ص321.

 51 - اسماعين يعقوبي، المرجع العملي في إجراءات القيد بالسجل التجاري، مطبعة الأمنية، الرباط، طبعة 2017، ص78..

https : / / www . hespress . com / economie / 380511 . html -52

تاريخ الاطلاع 2019/ 02 /12 الساعة 09.16.

53 - المهدي شبو، مرجع سابق، ص95.

 54 - المهدي شبو، مرجع سابق، ص95.

55 - عز الدين بنستي، توطين المقاولات التجارية على ضوء مشروع القانون رقم 68

. 13 بتتميم مدونة التجارة، مجلة القضاء التجاري، العدد الثاني، (rejuciv édition)، 2013، ص48.

56-les guides de gestion RF, création d'entreprise, groupe revue fiduciare, lre édition ,2009, page 534.

57 -ويتعلق الأمر أساسا بالحصول على عنوان.

58 - Françoise Dekeuwer-Défossez, droit commercial, édition librairie générale de droit et de jurisprudence, 2004, page 156.

59 - المهدي شبو، مرجع سابق، ص 95.

60 - Association Marocaine des centres d'affaires « AMCA ». 61. https://leconomiste.com/article/1024404-la-domiciliation-d-entreprise-fait-sonentree

 .consulté le 2019/05/16 a 15:50.

62 - تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية، مرجع سابق ص11.

 63 - تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية، مرجع سابق ص 12.

64 - سمية الفائزي، "حجية البيانات المقيدة في السجل التجاري"، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، وحدة قانون الأعمال والمقاولات، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي-الرباط، مارس 2012، ص19.

 65 - عبد العالي العضراوي، "السجل التجاري في أفق سنة 2000، الجزء الأول، مكتبة الشباب، الرباط، 1999، ص 46.

 66 - عز الدين بنستي، توطين المقاولات التجارية على ضوء مشروع القانون رقم 68.13 بتتميم مدونة التجارة، مرجع سابق، ص50.

67 - HAMDINI Adib, La domiciliation des entreprises à la lumière de la nouvelle loi

n°89-17 modifiant et complétant la loi n°15.95 formant Code de Commerce.

https://www.droitetentreprise.com/la-domiciliation-des-entreprises-a-la-lumiere

de-la-nouvelle-loi-n89-17-modifiant-et-completant-la-loi-n 15-95-formant-code-de commerce/, consulté le 14/04/2019 à 20.00.



Comments
No comments
Post a Comment



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -