Nouvelles

بحث شامل لتنظيم القضائي المغربي

 مطبوع في مادة: التنظيم القضائي للمملكة

ذ. خالد الحري أستاذ التعليم العالي مؤهل بكلية الحقوق المحمدية

 السنة الجامعية: 2021-2020

التنظيم القضائي للمملكة

مقدمة :


    تسعى الدول الديمقراطية الى حماية الأفراد والسهر على تأمين حرياتهم وحقوقهم المشروعة، من خلال السلطة القضائية التي تعمل على توفير العدالة للجميع، وإذا كان التنظيم القضائي للمملكة يتميز بانتمائه للأنساق الحديثة، فإنه لا يعدو أن يكون ثمرة تطور تاريخي لإصلاحات متتالية، حاولت إنشاء اللبنات الأولى لوظيفة القضاء، التي فوض لها صلاحية الفصل في النزاعات منذ دخول الإسلام الى المغرب وتطبيق الشريعة الإسلامية، الى جانب بعض العادات والأعراف المحلية، مرورا بفترة الحماية التي عرفت بعض الإصلاحات للنظام القضائي المغربي للحد من تداخل السلط وتعدد المحاكم، ليتوالى مسلسل الإصلاحات في مجال القضاء بعد حصول المغرب على استقلاله من خلال توحيد القضاء ومغربته وتعريبه. وفي هذا السياق، تضمن التنظيم القضائي مجموعة من القواعد التي تهدف الى تكريس حقوق وضمانات التقاضي بالإضافة الى ضبط سير مرفق القضاء وتوفير عدالة جيدة من خلال مختلف أنواع المحاكم التي تتوفر عليها المملكة. وعليه، فإن دراستنا للتنظيم القضائي، ستنصب على التطور التاريخي للتنظيم القضائي للمملكة ثم المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها وأخيرا أنواع المحاكم.

    المبحث الأول: التطور التاريخي للتنظيم القضائي:

     كانت المجتمعات البدائية تلجأ لفض نزاعاتها والدفاع عن حقوقها الى القوة والانتقام من المعتدي، وقد أدى هذا الوضع الى انتشار الفوضى واضطراب الأمن داخل المجتمع، فكثيرا ما ظل النزاع محتدما لسنين عديدة وتكون الغلبة في النهاية للخصم أكثر قوة ونفوذ. ومع تطور المجتمع من الناحية الاجتماعية والاقتصادية وبروز سلطة الدولة، تقلصت فكرة القوة كمصدر للحق وحل محلها التحكيم الاختياري في بداية الأمر ثم تطور الى التحكيم الاجباري، وبذلك توارى نظام  وحل محله نظام العدالة العامة la justice privéeالعدالة الخاصة  التي تتولاه الدولة بواسطة اجهزتها القضائية.la justice publique فكل من اعتدي على حق من حقوقه عليه اللجوء الى القضاء ولا يجوز له أن يقتضي حقه بنفسه، فالدولة أصبحت هي المحتكرة لإقامة العدل وتوقيع الجزاء وتنفيذه عن طريق السلطة العامة. والمغرب بدوره عهد بوظيفة القضاء الى مؤسسة تعمل على توفير العدالة للجميع بكيفية دائمة ومستمرة وتسير وفق نظام يتسم بانتمائه الى الأنساق الحديثة وخاصة الغربية. وعليه، سنحاول دراسة وضع القضاء بالمغرب قبل فترة الحماية وأثناءها وبعد الاستقلال.

    المطلب الأول: نظام القضاء قبل الحماية :

    يتميز النظام القضائي بالمغرب ومنذ اعتناق المغاربة الدين الإسلامي  بوجود خمسة أنواع من الأنظمة القضائية.1912والى غاية فعلاوة على القضاء الشرعي المنبثق عن الدين الإسلامي والقضاء العبري المنبثق عن الدين اليهودي، كان هناك القضاء المخزني أو ما يسمى بقضاء القائد والباشا بالاضافة الى المحكمة العربية التي لم يكن لها وجود إلا في بعض البوادي وأخيرا المحاكم القنصلية التي كانت قد فرضتها على المغرب بعض الدول الكبرى لفائدة مواطنيها ومساعديها وأعوانها المغاربة.

ا    لفقرة الأولى: القضاء الشرعي,

     كان المغرب يطبق قبل الحماية، بصفته بلدا مسلما الشريعة الاسلامية، وكان القاضي يتمتع بالولاية العامة يحكم بمفرده ويطبق في الأحكام المذهب المالكي، ويملك صلاحيات واسعة وينظر في قضايا تهم جميع المجالات، إذ يبت في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث وقضايا العقار والقضايا المدنية والتجارية ولم يكن يخرج عن اختصاصه سوى الجنايات والجنح الذي يعود أمرها للقضاء المخزني لعلاقته بضبط النظام والاستقرار. وكانت المسطرة المتبعة كتابية، حيث يقوم القاضي بالتحقيق في النازلة خلال الجلسة التي يرأسها وكان بإمكان الطرفين تفويض النيابة   عنهما لوكلاء، وكان القاضي يصدر أحكامه كتابة وبصفة نهائية ولم تكن .بالتالي خاضعة للطعن غير أنه كان بالإمكان عرض النازلة من جديد على أنظار السلطان الذي يحيلها على قاضي آخر للنظر فيها ولكن لا يتم ذلك إلا في القضايا التي من شأنها إثارة ردود فعل الرأي العام. وكان القاضي يعين ويقال من طرف السلطان، لكنه يتمتع باستقلالية تامة.

    الفقرة الثانية: القضاء المخزني "محكمة القائد أو الباشا" :

    كانت عبارة الباشا غير معروفة بالمغرب، وتم تبنيها في عهد الدولة السعدية، عندما تم إلحاق بعض الضباط الأتراك الحاملين لهذا اللقب بالجيش المغربي، وحلت هذه العبارة محل العامل الاسم المخصص لوالي المدينة. وكان القضاء المخزني عبارة عن مجلس يعقده القائد أو الباشا للفصل في الدعاوي التي لها علاقة بالأمن والاستقرار وخاصة القضايا الجنائية والجنحية للضرب على يد المجرمين والمخالفين للنظام العام باعتبار الباشاوات هم المسؤولون عن أمن الدولة وحفظ النظام داخل المجتمع. إلا أن اختصاص محكمة القائد أو الباشا امتد ليشمل أيضا حتى القضايا التجارية والمدنية وغيرها والتي كان الاختصاص فيها يعود للقضاء الشرعي، إذ لم يكن المتقاضين يتجرأون على سحب دعواهم من يد الباشا أو القائد إلا في النوازل المستعصية جدا، إذ يقوم هو من تلقاء نفسه بإحالة المتقاضين على القضاء الشرعي. فقد كان الباشا يستدعي الطرفين للمثول حالا أمامه، ويقوم بالبحث في القضية بناء على شهود الأطراف وإجراء خبرة بسيطة، ثم يصدر حكمه استنادا للأعراف والتقاليد السائدة، إذ لم تكن آنذاك أية نصوص قانونية يلزم الرجوع اليها للبت في المنازعات المعروضة. وكانت الأحكام شفوية، تنفذ بمجرد صدورها، يساعد على ذلك وجود الشرطة تحت امرة الباشا أو القائد، وبالتالي كانت أحكامه نهائية غير قابلة للطعن.

ا    لفقرة الثالثة: القضاء العبري:

     كان اليهود يتمتعون باستقلال ذاتي فيما يخص ممارسة ديانتهم، ولم يكونوا خاضعين لحكم قاضي المسلمين، وإنما كانت هناك محاكم عبرية تنظر في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية لليهود، وكانت اختصاصاتها تمتد للقضايا المدنية والتجارية عندما تنتمي الأطراف المتنازعة كلها للديانة اليهودية. وكان القضاة الأحبار يطبقون الشريعة الموسوية (موسى) وكان القاضي العبري (الدجان) يمارس كالقاضي الشرعي مهمة الحسم في المنازعات بمساعدة عدلين (سوفريم) اللذين كانا يقومان بمهام التوثيق. وبالتالي فتدخل الباشا في النزاعات الناشئة بين اليهود كان مسألة ناذرة.

    الفقرة الرابعة: القضاء العرفي:

     إن تطبيق العرف ببعض نواحي المغرب لم يكن اختيارا متعمدا من طرف السكان على حساب الشريعة الاسلامية، الذي غالبا ما تكون قواعد العرف الأكثر استعمالا مشتقة منه، بل كان تطبيقه يفرض نفسه نظرا لسوء التنظيم القضائي وضعف الهيكلة الإدارية التي كانت شبه منعمدة بالقبائل كلما ابتعدت عن المراكز الحضرية. وقد كانت البوادي المغربية على نفس النمط الهرمي، أساسه وحدة إدارية معروفة بالدوار الذي يعادل القرية وتكون مجموعة من الدواوير الفخدة التي تكون بدورها القبيلة وتسير من طرف الجماعة. حيث تتكون جماعة الدوار من رؤساء الخيم أما جماعة القبيلة 40 عضوا.فتتكون من حوالي وتنتخب الجماعة "أمغارا" أو شيخا يمارس مهام الرئيس والقاضي وعون التنفيذ ولا تتعدى مدة ولايته سنة واحدة، وكانت الجماعة تنظر في كل القضايا التي تهم القبيلة وذلك بالفصل في النزاعات التي تهم النظام العام والتوفيق بين المصالح المتضاربة وتدبير ممتلكات الجماعة كتوزيع مناطق الرعي وحماية المزروعات وتحديد مواعد الحرث والحصاد وتنظيم توزيع قنوات الرعي. عموما فالساكنة البدوية سواء العربية منها أو الأمازيغية تبنت هذا التنظيم خاصة تلك التي لم تكن مؤطرة من الحكم المركزي، إذ في هذه الحالة كان القائد يقوم بالنطق بالأحكام مع الاحتفاظ للقاضي الشرعي بصلاحياته.

    الفقرة الخامسة: المحاكم القنصلية

     ازدهرت التجارة بالمغرب، وتقوت العلاقة بين التجار 18خلال القرن المغاربة ونظائرهم الأجانب، مما دفع التجار المغاربة إلى طلب الحماية من الدول التي يتعاملون معها، مما نتج عنه نظام الامتيازات الأجنبية، التي كانت تخول للتجار المغاربة أصحاب الامتيازات والأجانب المتواجدين بالمغرب حق التقاضي أمام المحاكم القنصلية المحدثة بكل قنصلية، حيث كانت تعمل تحت سلطة القنصل الذي يتولى بنفسه وظيفة القضاء الى جانب مهامه الدبلوماسية بناء على المعاهدات التي أبرمت بين المغرب وحكومات تلك الدول، وهو ما يبين حجم التنازلات التي قبلها المغرب قبل الحماية نظرا للضعف الذي كان يعيشه وتزايد أطماع الدول العظمى. وبذلك فالقضاء القنصلي ظهر منذ القرن الثامن عشر، مما أبعد الأجانب وأصحاب الامتيازات من المغاربة عن القضاء المغربي بشقيه الشرعي والمخزني. 

    المطلب الثاني: نظام القضاء أثناء الحماية 

    امتاز نظام القضاء بالمغرب في عهد الحماية باستمرار تداخل السلط وتنوع المحاكم وتعدد القوانين المعمول بها، فسلطات الحماية وإن أدخلت بعض الإصلاحات على التنظيم القضائي المغربي فهدفها كان بالأساس يرمي الى حماية المستعمر وتقوية نفوذه، ولأجل بلوغ هذه الأهداف سنت سلطات الحماية مجموعة من القوانين وأبقت على المحاكم القائمة وهي: المحاكم الشرعية التي لم تعد لها الولاية العامة بل انحصرت اختصاصاتها في قضايا الأحول الشخصية والميراث ودعاوى العقار غير المحفظ أو في طور التحفيظ، كما قسم قضاتها إلى قضاة مدن وقضاة بوادي وأصبحت محاكم قضاة المدن مرجعا استئنافيا تستأنف لديها أحكام قضاة البوادي، أما الطعن في أحكام قضاة المدن، فكان يتم أمام وزير العدل، الذي لم يكن باستطاعته أن يصدر أي قرار بشأن القضية المرفوعة أمامه، إلا بعد استشارة المجلس الأعلى للعلماء الذي كان بمثابة هيأة استشارية لوزير  ليحل محله مجلس الاستئناف 1921العدل، وقد ألغي هذا المجلس سنة الشرعي، هذا الأخير الذي ألغى التمييز بين قضاة المدن وقضاة البوادي، إذ أصبحت أحكام كل منهما تستأنف أمامه. كما ظلت المحاكم العبرية تنظر في قضايا الأحوال الشخصية والميراث بالنسبة لليهود المغاربة وتطبيق الشريعة الموساوية، حيث تم إنشاء محكمة عبرية عليا بالرباط تستأنف أمامها أحكام المحاكم الابتدائية العبرية. كما ظلت المحاكم المخزنية تنظر مبدئيا في جميع النزاعات بين المغاربة وخاصة القضايا الجنائية باستثناء تلك التي أسندت الصلاحية فيها إلى محاكم أخرى. أما المحاكم العرفية فقد أصبحت لها صلاحيات مدنية وتجارية بالمناطق التي كانت تطلق عليها صفة البربر، بهدف خلق انشقاق وسط المغاربة بجعل مجموعات منهم خارج نفوذ القضاء الشرعي وسلطة السلطان. كما استحدثت محاكم جديدة أهمها المحكمة العصرية التي كانت تختص في قضايا العقار المحفظ والقضايا التي يكون أحد الطرفين فيها من الرعايا الفرنسيين أو من جنسية أجنبية. وقد كان الطعن بالنقض يتم أمام محكمة النقض الفرنسية التي يوجد مقرها بباريس، أما دعوى الإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة المقدمة من طرف الفرنسيين ضد القرارات الإدارية، فكان يتم أمام مجلس الدولة الفرنسي. تم إدخال تعديلات على التنظيم القضائي المغربي 1954وبحلول سنة فتم إحداث محاكم مخزنية اقليمية في أهم المدن المغربية، وكانت أحكامها تستأنف أمام المحكمة العليا الشريفة، وكانت هذه المحاكم تستأنف أمامها أحكام المحاكم المخزنية والأحكام الصادرة عن محكمة القائد أو الباشا.

    المطلب الثالث: التنظيم القضائي في عهد الاستقلال

     بادرت الحكومة المغربية بعد الاستقلال الى فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية (الفقرة الأولى) ثم التفكير في مرحلة لاحقة في مغربة القضاء وتعريبه (الفقرة الثانية).

    الفقرة الأولى: مرحلة فصل السلط 

    بعد استقلال المغرب، كان من الضروري إصلاح النظام القضائي وفصله عن السلطة التنفيذية، إذ تم الغاء جميع الاختصاصات القضائية التي كانت لرجال السلطة الادارية من خلال وضع حد لتدخل القواد والباشاوات لممارسة القضاء في المجال الجنحي. ورغم الإجراءات المتخذة من اجل تطوير النظام القضائي المغربي،  بازدواجية القضاء: قضاء 1965 و1956فقد تميزت الفترة الممتدة بين عصري يطبق نصوص القانون وقضاء عادي يطبق أعرافا محلية مستقاة من الفقة الإسلامي والعادات والتقاليد، بالإضافة للقضاء الشرعي الذي ظل قائما مع تنظيمه بشكل عصري. وعليه أصبح نظام التقاضي بالمغرب موزعا بين ثلاثة أنواع من المحاكم: شرعية وعادية ثم عصرية، يخضع كل منها للتقاضي على درجتين ويؤول أمر نقض أحكامها إلى المجلس الأعلى، حيث أصبحت الأحكام تصدر باسم جلالة الملك وتم قطع كل علاقة بمحكمة النقض الفرنسية او الاسبانية.

    الفقرة الثانية: مرحلة المغربة وتوحيد المحاكم وتعريب لغتها

     بهدف الحد من تعدد المحاكم والغاء كل تمييز يكون أساسه اللغة أو الدين أو جنسية المتقاضين، أصدر المشرع قانون المغربة والتوحيد  الذي ألغى المحاكم العصرية والشرعية والعبرية والتي حلت  سنة 1965 محلها المحاكم العادية وطبقت أمامها القوانين الوضعية المعمول بها على جميع المتقاضين دون أخذ جنسية الأطراف بعين الاعتبار، كما أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية المتداولة أمام المحاكم سواء تعلق الأمر بالمقاولات أو المذكرات أو القرارات، وبذلك أصبح التنظيم القضائي المغربي مكونا من المحاكم الآتية: محاكم السدد والمحاكم الاقليمية، ومحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى. يوليوز 15إلا أن هذا التنظيم لم يعمر طويلا حيث صدر ظهير  الذي ألغى كل المحاكم ليحل محلها محاكم الجماعات والمقاطعات 1974 والمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى. فأصبحت محاكم الجماعات والمقاطعات تنظر في القضايا البسيطة التي لا تتجاوز قيمتها ألف درهم بينما أصبحت المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة. وأمام ضغط كثرة القضايا وتنوع أصنافها، وما يترتب عن ذلك من تأخير في إنهاء النزاعات المعروضة على المحاكم، ورغبة من المشروع في تقريب القضاء من المتقاضين وإعطائه الفعالية والسرعة، قام بإحداث  1993 شتنبر 10نوعين جديدين من المحاكم: هما المحاكم الادارية في .1997 فبراير 12والمحاكم التجارية في  الذي ارتقى 2011 وبعد المصادقة على الدستور الأخير لسنة بالقضاء من هيأة  الى سلطة وكرس بالتالي استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. أدخل المغرب بمقتضى القانون رقم  بعض التعديلات على تنظيمه 2011 شتنبر 5 الصادر بتاريخ 34 - 10 القضائي حيث قام بإلغاء محاكم الجماعات والمقاطعات واستحدث بالمحاكم الابتدائية أقسام قضاء القرب والتي أصبحت تنظر في الدعاوى  درهم باستثناء النزاعات 5000الشخصية والمنقولة التي لا تتجاوز قيمتها المتعلقة بمدونة الاسرة والعقار والقضايا الاجتماعية والإفراغات كما تنظر في المخالفات المنصوص عليها في القانون المتعلق بقضاء القرب. كما نص على امكانية تصنيف المحاكم الابتدائية حسب نوعية القضايا التي تختص فيها: إلى محاكم ابتدائية مدنية ومحاكم ابتدائية اجتماعية ومحاكم ابتدائية زجرية وذلك لترسيخ ثقافة التخصص التي لها تأثير ايجابي على جودة العمل القضائي وإن كان هذا المقتضى يبدو صعب التطبيق حاليا لمحدودية الموارد البشرية والمادية. كما تم احداث غرف بالمحاكم الابتدائية تختص باستئناف الاحكام التي لا تتجاوز قيمتها عشرون الف درهم، في حين ان القضايا التي تتجاوز هذا المبلغ تبقى من اختصاص محاكم الاستئناف، والهدف من ذلك تخفيف عمل محاكم الاستئناف للبت في القضايا بسرعة أكبر. ورغم هذه التعديلات، فقد حافظ المشرع على المبادئ الأساسية للنظام القضائي وخاصة مبدأ استقلال القضاء ومبدأ التقاضي على درجتين ومجانية التقاضي وعلنية الجلسات وشفوية المرافعات، كما زاوج بين القضاء الفردي والجماعي وبين شفوية المسطرة والمسطرة الكتابية.

    المبحث الثاني: المبادئ الأساسية للنظام القضائي 

    حتى يتمكن القضاء من أداء وظيفته المنوطة به بحل النزاعات المعروضة عليه بالشكل المطلوب، نص المشرع على مبادئ أساسية يقوم عليها النظام القضائي المغربي. وعليه، فإننا سنتطرق لأهم المبادئ المتعلقة بالنظام القضائي قبل دراسة المبادئ المرتبطة بحقوق وضمانات التقاضي.

    المطلب الأول: المبادئ المتعلقة بالنظام القضائي :

    إن من أبرز المهام المنوطة بالدولة في ظل المجتمع الحديث، ومن مظاهر سيادتها إقامة العدل بين الأفراد، والسهر على تطبيق القانون، وحل النزاعات عن طريق إصدار الأحكام والقرارات من طرف المحاكم المختصة. ولتفعيل دور القضاء للقيام بالمهام المنوطة به، أحاطه المشرع بمجموعة من الضمانات التي تشكل المبادئ الأساسية للتنظيم القضائي للمملكة.وسنعمل على إبراز أهم هذه المبادئ المرتبطة بالنظام القضائي المغربي

    الفقرة الأولى: مبدأ استقلال القضاء:

     تفرض الدولة سيادتها من خلال ممارستها لثلاث سلط، وهي السلطة التشريعية والتنفيذية ثم القضائية، عملا بمبدأ فصل السلط الذي يترتب عليه استقلال كل سلطة عن الأخرى. ومبدأ فصل السلط لا يعني عدم التعاون بين السلط الثلاث، بل هو تقسيم للعمل، يقوم على أساس احترام كل سلطة لاختصاصات غيرها. ويعد مبدأ استقلال القضاء تطبيقا عمليا لمبدأ فصل السلط، حيث  على أنه: "السلطة 2011 من دستور المملكة لسنة 107ينص الفصل 12 القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية". ويترتب على ذلك أن السلطة التشريعية ليس لها أن تتولى الفصل في المنازعات أو تعديل الأحكام الصادرة عن القضاء، فعمل السلطة التشريعية هو سن القواعد القانونية، في حين ينحصر عمل السلطة القضائية في تطبيق القانون من خلال البت في الخصومات المعروضة عليها، فالقاضي لا يضع حلولا عامة من خلال أحكامه، لأنه يتعامل مع وقائع معروضة عليه، لذلك عليه أن يقرر حلا خاصا لكل واقعة على حدة بهدف فض النزاعات المرفوعة إليه، دون تجاوز حدود اختصاصه من خلال سن القوانين، وهو ما قد يشكل خطورة على المتقاضين، لأن القاضي سيصبح قادرا على خلق وإنشاء قواعد قانونية يقوم بتطبيقها في نفس الوقت، وبالتالي سيقوم بإيجاد حلول تتلائم وميولاته عن حل النزاعات التي ينظر فيها وفي هذا تعارض مع مبدأ حياد القاضي. أما بالنسبة لاستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، فيقصد به ألا تتدخل السلطة التنفيذية في أعمال القضاة لعرقلة العمل القضائي من خلال تعطيل الأحكام أو عرقلة تنفيذها. وبالمقابل يلتزم القضاة بعدم التدخل في شؤون السلطة التنفيذية أو إعاقة نشاطها، حيث يمنع على القضاء إصدار قرارات إدارية التي هي من صميم عمل السلطة التنفيذية. والحكمة من استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، هو إبعاد القاضي عن كل ما من شأنه التأثير على قناعته، حيث لا سلطان على القاضي إلا ضميره في التعامل مع القضايا المعروضة عليه للبث فيها طبقا للقانون وقواعد العدالة. وتكريسا لمبدأ استقلال السلطة القضائية، فإن المشرع أحاط القضاة بضمانات تشكل حصانة ضد العزل والنقل إلا بمقتضى القانون، وذلك بتعيينهم بظهائر شريفة باقتراح من المجلس الأعلى للسلطة القضائية  التي تنص: "لا يعزل قضاة 2011 من دستور 108طبقا لمقتضيات المادة الحكم ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون".

    الفقرة الثانية: مبدأ تقييد المحكمة بطلبات الخصوم 

    إن مبدأ تقييد القاضي بطلبات الخصوم منصوص عليها بمقتضى المادة الثالثة من قانون المسطرة المدنية: "يتعين على القاضي أن يبث في حدود طلبات الأطراف، ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة". من خلال هذا الفصل يتبين أن نطاق الأحكام ينحصر في حدود طلبات المتقاضين، إذ ليس للقاضي أن يغير تلقائيا موضوع هذه الطلبات أو يحكم بأكثر مما طلب منه، حيث يمنع على القاضي الحكم في مسألة لم تتضمنها طلبات الأطراف ما عدا الحالات المرتبطة بالنظام العام التي يبت فيها بقوة القانون، كما يمنع عليه إغفال الفصل في بعض الطلبات، وفي ذلك تكريس لمبدأ حياد القاضي.

    الفقرة الثالثة: مبدأ تعدد القضاة وتعدد درجات التقاضي 

    تأخذ الدول اللاتينية في تشكيل المحاكم بنظام تعدد القضاة، بمعنى أن المحكمة تعقد جلساتها وتصدر أحكامها وهي مكونة من هيأة جماعية، في حين نجد الدول الأنجلوسكسونية تأخذ بنظام القضاء الفردي، بينما حاول المشرع المغربي المزاوجة بين النظامين، من خلال الأخذ بالقضاء الفردي في القضايا البسيطة والقضاء الجماعي في القضايا الأكثر أهمية.  وقد ثار جدل بين الفقهاء حول النظام الأكثر نجاعة للفصل في الدعاوى بين الأخذ بنظام القضاء الفردي أو القضاء الجماعي، والواقع أن لكل من النظامين مزاياه وعيوبه. فمن مزايا القضاء الفردي تبسيط إجراءات التقاضي مما يترتب عنه تقليص عدد القضاة، مما يسمح للدولة من تحسين أوضاعهم المادية وجعل القاضي يشعر بالمسؤولية عند البث في النزاع وهو ما يدفعه إلى التروي والتريث قبل إصدار الحكم، لأن كل ما قد يشوب الحكم من عيوب سيتحمله لوحده، وبالمقابل يأخذ على نظام القضاء الفردي إمكانية تأثر القاضي بمحيطه الخارجي وهو ما قد يؤدي إلى إصدار أحكام غير موضوعية. ومن عيوب القضاء الفردي أيضا أنه إذا  كان القاضي حديث العهد بالقضاء، فإن نقص الخبرة والتجربة قد يؤثران على جودة الأحكام. وبخلاف نظام القضاء الفردي فإن القضاء الجماعي يخول ضمانة أكبر لتحقيق العدالة وحماية حقوق الأطراف، لمزايا المداولة التي تسبق صدور الحكم والتي تسمح بتبادل وجهات النظر بين القضاة فيصدر الحكم بعد البحث والتمحيص. كما يسمح نظام القضاء الجماعي من رقابة القضاة لبعضهم البعض، لأنه من الصعب افتراض انحياز جميع أعضاء هيأة المحكمة لأحد أطراف الخصومة دون وجه حق. وبالمقابل فإن القضاء الجماعي لا يعني الكفاءة أو الجودة في العمل، لأن نسبة الحكم إلى هيأة المحكمة بكاملها قد يؤدي إلى تفشي روح الاتكال بين القضاة، كما أنه غالبا ما لا تعقد مداولة حقيقية، إذ يكتفي الأعضاء بقبول رأي رئيس الهيأة أو العضو المقرر المكلف بدراسة القضية، مما يجعل عمل القضاء الجماعي أقرب إلى عمل القضاء الفردي. كما يساهم القضاء الجماعي إلى زيادة التكاليف وتحمل الدولة عبئا إضافيا، بالإضافة إلى تعقيد الإجراءات والبطئ في التقاضي مما يقلل من فعالية المحاكم. على أنه لا يمكن ترجيح أحد النظامين، بل يلزم الرجوع إلى شخصية القاضي وتكوينه وأخلاقه. أما بالنسبة لتعدد درجات التقاضي الذي يأخذ به المشرع المغربي فيقصد به أن ينظر في النازلة الواحدة أكثر من مرة ومن محاكم مختلفة، حيث يحقق هذا المبدأ ضمانة هامة للعدالة، لأنه يؤدي إلى تدارك أخطاء القضاة، ويسمح للخصوم باستدراك ما فاتهم تقديمه من أدلة ومستندات أمام محاكم الدرجة الأولى. لكن يؤخذ على هذا المبدأ أن النزاع يستغرق في الغالب وقتا طويلا، مما يكلف خزينة الدولة إمكانيات مالية إضافية، لكن مع ذلك يبقى ضروريا ما دام يسمح للقضاء بإمكانية دراسة القضية من جديد والتأكد من صحة الادعاء والحجج والمستندات المدلى بها ومواجهة الأحكام المعيبة.

    الفقرة الرابعة: حياد القاضي 

    من أجل توفير عدالة جيدة يجب على القاضي باعتباره المرجع الأساسي في تطبيق القانون أن يؤدي مهمته، المتمثلة في الفصل في النزاعات المعروضة عليه وفق ما يفرضه مبدأ الحياد، وأن يلازم موقفا سلبيا اتجاه الخصوم ومبدئيا إزاء الدعوى، بحيث يتعين عليه أن يبت في حدود ما أدلى به هؤلاء، معتمدا على الوقائع التي تعرضوا إليها في طلباتهم ودفوعاتهم، ومكتفيا بما احتوته أوراق الملف من عناصر. والواقع، فإن القاضي لابد أن يتمتع بقدر من سلطة التدخل يمكنه من توجيه مسار الدعوى وإجراءات التحقيق وفحص وسائل الإثبات المقدمة إليه وذلك من أجل حسن سير العدالة ومن أمثلة الدور الإيجابي للقاضي تلك المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية: 16من الفصل الأول: "يثير القاضي تلقائيا، انعدام الصفة 2 > الفقرة أو الأهلية أو المصلحة أو الإذن بالتقاضي إن كان ضروريا وينذر الطرف ب تصحيح المسطرة داخل أجل يحدده". : "يطلب القاضي المقرر أو القاضي المكلف 32 من الفصل 4 > الفقرة بالقضية عند الاقتضاء، تحديد البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها". : "يمكن للقاضي بناء على طلب الأطراف 55 من الفصل 1 > الفقرة أو أحدهم أو تلقائيا، أن يأمر قبل البت في جوهر الدعوى، بإجراء خبرة أو الوقوف على عين المكان أو بحث أو تحقيق خطوط، أو أي إجراء من إجراءات التحقيق". فالأساس الذي يرتكز عليه حياد القاضي له علاقة بفكرة المساواة بين الأطراف، وهو ما يتطلب من القاضي إعطاء فرصة متكافئة لهؤلاء للدفاع عن حقوقهم. والمشرع المغربي يلجأ إلى عدة وسائل لضمان تأمين حياد القاضي ومنها منع القضاة من أي نشاط سياسي وتأسيس النقابات والانتماء :2011 من دستور 111إليها، فقد نص الفصل < "يمكن للقضاة الانخراط في الجمعيات أو إنشاء جمعيات مهنية مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون. <يمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية". <كما يمنع على القضاة كذلك أن يباشروا خارج مهامهم ولو بصفة عرضية نشاطا أيا كان نوعه بأجر أو بدونه، ولا يمكن مخالفة ذلك إلا بقرارات فردية لوزير العدل لصالح التعليم. على أن هذا المنع لا يمتد إلى التآليف الأدبية والفنية، غير أنه لا يمكن لمؤلفيها، الإشارة إلى صفتهم لأدبية إلا بإذن من وزير العدل، ومع التغيير الذي عرفته السلطة القضائية فإن هذا الإذن أصبح يمنحه الرئيس المنتدب للسلطة القضائية.

    المطلب الثاني: المبادئ المرتبطة بحقوق وضمانات التقاضي

     في إطار الأنظمة القضائية المستقاة من صميم فلسفة حقوق الإنسان، تستلزم العدالة في جانب الدولة، تمكين المتقاضي من اللجوء إلى القضاء ورفع دعواه، دون أن تشكل مصاريفها عائقا يمنعه من الوصول إلى حقه، فضلا عن أن تكون المرافعات شفوية والجلسات علنية حتى يتمكن المواطنون من الاطلاع على كيفية إدارة الجلسات ويسمح للمتقاضين من مناقشة مزاعمهم وإبداء آرائهم وملاحظاتهم، ليتأتى للقضاة إصدار أحكامهم بعد تعليلها. وعليه سنتولى دراسة أهم الآليات التي تعتبر كضمانة بالنسبة للمتقاضي للوصول إلى عدالة جيدة في دولة الحق والقانون.

   الفقرة الأولى: المساواة أمام القضاء 

    المساواة أمام القضاء مبدأ قديم أقرته الشريعة الإسلامية وعملت على بلورته وترسيخ مفهومه بين أفراد المجتمع، فهو معيار يساهم في إقرار الحق والعدل في إصدار الأحكام من طرف القضاء ونشر الحماية بين أفراد المجتمع دون أي تمييز بين المتقاضين مهما كانت مراكزهم الاقتصادية والاجتماعية فالكل سواسية أمام القانون. ومن بين أهم القواعد الإجرائية التي تهدف إلى تجسيد هذا المبدأ، ضرورة المواجهة بين الخصوم في الدعوى، كي يتبين الحق بالحجة والدليل، فالقاضي ليس له أي حكم قبل الاستماع إلى كافة الأطراف في الدعوى ومعاملتهم على قدم مساواة ومنحهم إمكانية تقديم أوجه دفوعهم. ومن تجليات هذا المبدأ أيضا ضرورة خضوع الخصوم لجهة قضائية واحدة بالنسبة للنوع الواحد من القضايا بغض النظر عن جنسيتهم أو ديانتهم أو مركزهم الاجتماعي.

    والمغرب عرف خلال فترة الحماية ظاهرة التمييز بين المواطنين المغاربة والأجانب في مضمار العدالة، من خلال الاعتراف ببعض الامتيازات لفئات معينة من المتقاضين وخاصة الأجانب، بإمكانية التقاضي أمام المحاكم القنصلية المحدثة بكل قنصلية تحت سلطة القنصل الذي يتولى بنفسه وظيفة القضاء إلى جانب مهامه الدبلوماسية. إلا أنه بعد الاستقلال لم يعد يشترط في الأجنبي عند مراجعة القضاء، شروطا غير تلك التي يتطلبها القانون في المتقاضي المغربي. ومع ذلك يجب الاعتراف بأن بعض المتقاضين قد يتمتعون بوضعية خاصة أمام القضاء وخاصة الإدارات العمومية لا سيما في مجال آثار الأحكام، إذ أنه لم يتم بعد الاهتداء إلى الأسلوب الذي من شأنه إلزام الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها، وكذلك الشأن بالنسبة للدعوى التي ترفع ضد القضاة حيث لا يتم احترام قواعد الاختصاص المحلي في هذه الحالة. والواقع فإن هذه الاستثناءات لا تعتبر خرقا لمبدأ المساواة أمام القضاء أو تتضمن امتيازات قضائية لفئة معينة بقدر ما تهدف على حماية المصلحة العامة وتوفير ضمانات التقاضي.

    الفقرة الثانية: مجانية القضاء 

    إن مبدأ المساواة أمام القضاء يكمله مبدأ آخر من مبادئ النظام القضائي هو مجانية القضاء ويقصد به أن المتقاضي لا يكلف بدفع نفقات الفصل في دعواه إلى القاضي، الذي يبت في الخصومة ويصدر أحكامه دون أخذ مقابل من الخصوم، وإنما يتقاضى أجره من الدولة، وهذا من شأنه أن يشجع أصحاب الحقوق للالتجاء إلى القضاء من أجل استيفاء حقوقهم. 20

    ويعد الإسلام أول من أقر مبدأ مجانية القضاء ومنع القضاة من أخذ أي مقابل من المتقاضين، إذ كان القاضي يتقاضى أجره من بيت المال، بخلاف ما كان عليه الأمر في فرنسا قبل الثورة الفرنسية، فقد كان القضاة يتقاضون أتاوات من المتقاضين الشيء الذي كان سببا في التحيز والرشوة. وإذا كان اللجوء إلى القضاء بالمغرب يكلف المتقاضين رسوما قضائية تحول إلى خزينة الدولة، فإن ذلك لا يخالف مبدأ مجانية القضاء، لأن فرض هذه الرسوم لا يعني اقتضاء الدولة تكاليف التقاضي، فالرسوم القضائية لا تعادل بتاتا التكاليف الحقيقية التي تحملها الدولة في سبيل إحقاق العدالة بين المتقاضين، بل الهدف من فرض الرسوم القضائية هو التقليل من الخصومات الكيدية والتأكد من أن المدعي مجد في إدعائه. وحتى لا تكون الرسوم القضائية عائقا أمام المتقاضين المعوزين للجوء إلى القضاء وبالتالي حرمان فئة عريضة من المواطنين من حماية حقوقها أمام القضاء، فقد نص المشرع المغربي على إلغاء هذه الرسوم في العديد من القضايا من بينها طلبات النفقة في إطار مدونة الأسرة وقضايا حوادث الشغل ونزاعات الشغل المقدمة من طرف العامل وطلبات الإكراه البدني والطعون في اللوائح الانتخابية لمجلس النواب والمطالب المدنية المقدمة أمام القضاء الزجري بموجب شكاية مباشرة بعد تحريك الدعوى من طرف النيابة العامة. بل إن المشرع قد أوجد نظام المساعدة القضائية الذي يخول لمن تتوفر فيه شروط الاستفادة منه، الحق في الإعفاء من الرسوم القضائية بالإضافة إلى إمكانية مؤازرته من طرف محام تؤدى أتعابه الدولة، وذلك بعد تقديم طلب المساعدة القضائية من المعني بالأمر إلى وكيل الملك مع إثبات عدم القدرة على تحمل صوائر التقاضي، حيث يبت في الأمر مكتب المساعدة القضائية المكون من رئيس المحكمة أو من يمثله ونقيب هيأة المحامين أو من يمثله وممثل عن وزارة المالية:

    الفقرة الثالثة: مبدأ علانية الجلسات وشفوية المرافعات

     لإضفاء مزيد من الطمأنينة في نفوس المتقاضين وضمان حياد القاضي نص المشرع على مبدأ علانية الجلسات كأصل عام في كل القضايا مدنية وجنائية..، وهذا يقتضي ضرورة مناقشة القضية والنطق بالحكم فيها في جلسة مفتوحة في وجه العموم مع إمكانية نقل ما راج فيها إلى الرأي العام عن طريق وسائل الإعلام وهو ما يسمح من تقييم العمل القضائي. وعلى الرغم من الفائدة المحققة من إقرار مبدأ علانية الجلسات إلا أنه ليس على إطلاقه، إذ قد يفرض القانون سرية الجلسة متى كان في مناقشة القضية علنا، ما يمس بالنظام العام أو يخل بالآداب العامة أو تعلق الأمر بجلسات الأحداث، كما قد تقرر المحكمة في بعض القضايا سرية الجلسات مراعاة لمصلحة أسرة ما أو الحفاظ على سمعة بعض الأشخاص، على أن حضور محامو الأطراف والشهود والخبراء عند الاقتضاء لا يتنافى مع سرية الجلسة. أما بالنسبة للنطق بالحكم، فيجب أن يكون دائما في جلسة علنية تحت طائلة البطلان حتى ولو كان صادرا في قضية تقرر إجراء المرافعة فيها بكفية سرية وشفوية.  وشفوية المرافعات تعتبر مكملة لمبدأ علانية الجلسة، فهي تمكن الخصوم من شرح نزاعهم وبسط دفوعاتهم مباشرة أمام المحكمة، كما تسمح من الاستماع لوكلائهم والشهود والخبراء من أجل الوصول إلى الحقيقة، ومناقشة المستندات المعروضة في الجلسة، مما يساعد القاضي على الاتصال بأدلة الإثبات بطريقة مباشرة وبالتالي الإلمام بالقضية وتكوين قناعته بخصوص النزاع، فالمرافعة الشفوية تظل وسيلة أقوى  .لإقناع المحكمة بالنقط الأساسية في النزاع وعلى الرغم من المزايا التي يحققها مبدأ شفوية المرافعات إلا أن المشرع المغربي نص على أن تكون المسطرة كتابية كأصل عام وحصر شفوية المسطرة في القضايا التالية: <قضاء القرب <قضايا النفقة <قضايا أداء الوجيبة الكرائية ومراجعتها وقضايا الحالة المدنية.

    الفقرة الرابعة: مبدأ تعليل الأحكام 

    لقد خول المشرع للقضاة سلطة تقديرية واسعة عند البت في القضايا المعروضة عليهم وهو ما يتطلب كفاءة علمية تؤهلهم للبت في النزاع طبقا للقانون ومبادئ العدالة. وحرصا على نزاهة الأحكام القضائية ألزم القانون القضاة بتعليل قراراتهم وتضمينها الأسباب الضرورية التي أدت إلى اتخاذها، أي اشتمال الحكم على الأسباب والعلل التي أدت إلى صدوره. وبذلك، فضرورة تعليل الحكم هو بمثابة رقابة للقاضي في ممارسة سلطته التقديرية، لأنه يتضمن تفسيرا للقرار الذي اتخذه وهو ما يكسب الأحكام ثقة المتقاضين، كما يسمح باستعمال الحق في الطعن مادام أن المتقاضي يستطيع التعرف على ما شاب الحكم من عيوب، أو أخطاء، ويسهل على محكمة الطعن مراقبة الحكم المطعون فيه، وهو ما سيدفع قضاة الدرجة الأولى لإصدار أحكام مطابقة للواقع وذات جودة عالية.


تحميل المطبوع

Comments
No comments
Post a Comment



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -