Nouvelles

خصوصيات عقد التوطين

    خصوصیات عقد التوطين

تتجلى أهم هذه الخصوصيات في الصفة المزدوجة لعقد التوطين (1) واعتبار عقد التوطين من العقود المهنية (2) إلى جانب مسألة الرضائية وإشكالاتها (3).


1- عقد التوطين عقد تبرع وعقد معاوضة


عقد هو العقد الذي يتلقى فيه كل من المتعاقدين عوضا لما أعطاه ، ويعطي مقابل لما يأخذه كعقد البيع مثلا؛ أما عقد التبرع فيقصد به العقد الذي لا يأخذ فيه أحد المتعاقدين مقابلا لما أعطاه، ولا يعطي المتعاقد الآخر مقابلا لما أخذه، أو بعبارات أخرى فهو العقد الذي لا يأخذ فيه أحد المتعاقدين عوضا لما أعطاه، ومن أهم الأمثلة بهذا النوع من العقود، نذكر عقد الهبة والوديعة.


فهل يعتبر عقد التوطين عقد تبرع أم عقد معاوضة ؟


بالرجوع إلى التعريف التشريعي لعقد التوطين في إطار المادة544-1 من مدونة التجارة نجد المشرع المغربي قد عرف عقد التوطين باعتباره "عقدا يضع بمقتضاه شخص ذاتي أو اعتباري، يسمى الموطن لديه، مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن إشارة شخص آخر ذاتي أو اعتباري، يسمى الموطن لإقامة مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي، حسب الحالة".


فمن خلال هذا التعريف، يلاحظ أن المشرع أشار فقط إلى التزام الموطن لديه وذلك بتوفير مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن إشارة شخص آخر ذاتي أو اعتباري، دون الإشارة إلى التزام الموطن بأداء مقابل مالي؛ وهذا من شأنه أن يثير العديد من الإشكاليات المرتبطة بطبيعة العقد.


وحسب بعض الفقه المغربي "فإن عقد التوطين يمكن أن يكون بمقابل أو بدونه، وعليه فإنه يمكن القول أن تفادي المشرع الإشارة إلى المقابل المالي، هو مقصود من جانبه، ذلك أن هذا الأخير قد يحتمل الافتراضين معا.


وفي نظرنا فإن عقد التوطين يكون عقد معاوضة كلما تم بين مقاولة متخصصة في نشاط التوطين، وبين شخص ذاتي أو اعتباري يحتاج إلى مقر المقاولته أو مقر اجتماعي، أما فيما يخص التوطين الذي يتم بين الشركات وفروعها والمنصوص عليه في إطار الفقرة الثانية من المادة 544-3 من مدونة التجارة، فإنه في الغالب لا يمكن تصور المقابل في إطار هذا النوع من التوطين، وبالتالي فإنه يبقى عقد تبرعي.


إن هذه الصفة المزدوجة لعقد التوطين، تجعل من هذا الأخير يجمع بين خصائص عقود التبرع، فعقود المعاوضة، وذلك سواء على مستوى تكوين العقد أو على مستوى المسؤولية .

.

2- عقد التوطين من العقود المهنية


لقد أفرزت المتغيرات الاقتصادية شهدها العالم في العقود الأخيرة، اعتماد تصنيف جديد للعقود من قبل الفقه الحديث، حيث أصبح التمييز الأكثر دراسة هو ذلك الذي يميز بين العقود المهنية والعقود الاستهلاكية، فالعقد المهني هو الذي يتم إبرامه بين المهنيين أو المحترفين بين بعضهم البعض حيث هناك نوع من التوازن؛ بينما العقد الاستهلاكي يربط بين طرف مهني والآخر غير مهني وهو المستهلك .


وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي عرف المستهلك بمقتضى القانون31.08.181 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك، حيث عرفت المادة الثانية منه المستهلك بكونه كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتوجات أو سلعا أو خدمات معدة لاستعماله الشخصي أو العائلي، وفي إطار الفقرة الثالثة من نفس المادة فقد عرف المشرع المغربي المورد، باعتباره كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاط مهني أو تجاري.


وعليه ومن خلال ما سبق، يمكن القول أن الموطن لديه تنطبق عليه صفة مورد، مادام يلتزم بوضع مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن المقاولة الموطنة، وهو يمارس ذلك بشكل اعتيادي واحترافي، وعليه فإنه يتصرف في إطار نشاط تجاري.

أما فيما يخص الموطن (أي المقاولة)، فهي تتعاقد مع الموطن لديه بدافع الحصول على مقر من أجل مزاولة النشاط التجاري، أو على الأقل الاتصال بالزبناء عن طريق العنوان والبريد الخاص بالموطن لديه، وعليه فإن المقاولة الموطنة تحصل على خدمة التوطين لتلبية حاجيات تجارية (مهنية).



بناء على ما سبق يمكن القول أن مفهوم المستهلك الوارد في إطار القانون 31.08 ، لا ينطبق بالنسبة للطرف المتعاقد مع الموطن لديه، وهذا يترتب عليه آثار في غاية الأهمية، والتي من أهمها استبعاد تطبيق مقتضیات قانون حماية المستهلك بشأن النزاعات التي يمكن أن تنشأ بين الموطن لديه والموطن، وبالتالي فإن القواعد التي تبقى مطبقة هي قواعد الشريعة العامة، أي مقتضیات قانون الالتزامات والعقود مع مراعاة المقتضيات التي جاء بها القانون 38.17

تجدر الإشارة إلى أن القانون 89 . 17 قد حدد بعض التزامات شخص الموطن لديه، كما وضع بعض الضوابط لممارسة نشاط التوطين، وفي نظرنا فإن هذه الحماية رغم ذلك تظل قاصرة، وذلك أمام مقتضيات قانون حماية المستهلك، الذي تضمن عدة مقتضيات حمائية للمستهلك وذلك على مستوى مرحلة التعاقد وبعدها بل وما قبل المرحلة التعاقدية


فالعقود المبرمة بين المهنيين لا تستفيد من الحماية ضد الشروط التعسفية، وعليه فإن الشروط التي تحد من المسؤولية أو عدم المسؤولية باستثناء الخطأ الجسيم يمكن إدراجها في إطار العلاقات بين المهنيين، ولا يمكن إدراجها في غيرها من العقود (العقود الاستهلاكية).


إن إخضاع عقد التوطين المبرم بين الموطن لديه الذي يعد طرفا مهنيا محترف۔ ، ومقاولة موطنة مبتدئة لقواعد الالتزامات والعقود قد لا يشكل أية حماية لهذه المقاولة - الصغيرة أو المتوسطة التي تضطر إلى إبرام عقد التوطين بشروط قد تكون مجحفة.


تمت الإشارة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لأنه في الغالب يتم اللجوء إلى عقد التوطين من طرف هذا النوع من المقاولات التي لا تتوفر على إمكانيات للحصول على مقر لممارسة نشاطهم إما عن طريق اقتنائه أو اكترائه.


من خلال ماسبق، يمكن القول أن عقد التوطين يصطبغ بطابعه الإذعاني، ذلك أن عقود الإذعان تتميز في مجملها بانعدام إرادة أحد طرفيها أو على الأقل في انفراد إحدى هذه الإرادات في تحديد بنود العقد أو الالتزامات الناتجة عنه، وما يميز هذه العقود أيضا هو غياب التوازن الاقتصادي بين مركز المتعاقدين ؛


وعليه يمكن القول أن هذه الخصائص تنطبق على عقد التوطين؛ حيث أن العقد يجمع بين طرفين غير متوازيين، فهناك مقاولة (تكون في الغالب مقاولة صغرى أو متوسطة والطرف الموطن لديه، الذي له الخبرة والاحتراف في مجال التوطين؛ وبالتالي غياب التوازن الاقتصادي؛ وأمام الحاجة الملحة إلى التوطين من طرف المقاولة التي ترغب ممارسة نشاطها، فإنها قد تضطر إلى القبول بالشروط المجحفة التي قد يقررها الموطن لديه.


3- عقد التوطين وموقعه من الرضائية


تنقسم العقود بالنسبة إلى ما إذا كانت الإرادة وحدها وبذاتها مجردة عن أي ظرف يكتنفها، تكفي لإنشائها أو أنها غير كافية لذلك، إلى عقود رضائية، وعقود شكلية، وعقود عينية .

والعقد الرضائي هو الذي ينبني أساسا على تقابل الإرادات للأطراف المكونة له وذلك عن طريق اقتران الإيجاب بالقبول بحيث لا يلزم توافر أي شكل آخر إضافي ويستوي في ذلك أن يكون هذا العقد شفاهيا أو مكتوبا، بمعنى أن العقد الرضائي هو العقد الذي تكفي الإرادة لانعقاده .


وخلافا للعقد الرضائي فإن العقد الشكلي يتطلب بالإضافة لعنصر - الرضائية توافر شكل معين بحيث لا يتم العقد إلا باستكمال هذا الشرط 19، وتجدر الإشارة إلى أن الكتابة قد تكون ركنا لانعقاد التصرف، فيكون التصرف حينئذ شكليا وقد تكون وسيلة لإثباته، إذ لا يمنع العقد من أن يكون رضائيا أن يشترط في إثباته شكل مخصوص، إذ يجب التمييز بين وجود العقد في حد ذاته، وطريقة إثباته، فمادام يكفي في وجود العقد رضاء المتعاقدين فالعقد رضائي، حتى ولو اشترط القانون لاثباته كتابة أو نحوها .



أما العقد العيني فهو العقد الذي لا يتم بمجرد تراضي عاقديه، بل إنه يتطلب لتمامه أن يتم تسليم الشيء محل التعاقد لأحد أطرافه .


في هذا يثار تساؤل حول موقع عقد التوطين من هذا التقسيم؟


إن عقد التوطين في نظرنا ليس بعقد رضائي، فهو عقد شكلي وذلك استنادا إلى مقتضيات المواد 544-1، 544-2, 544-3 من مدونة التجارة من القانون.89.17 وكون عقد التوطين هو عقد شكلي هي من إحدى الخصوصيات المميزة لعقد التوطين.




Comments
No comments
Post a Comment



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -