Latest News

النظام القانوني لعقد التوطين بين القواعد العامة وخصوصيات القانون التجاري

النظام القانوني لعقد التوطين بين القواعد العامة وخصوصيات القانون التجاري

النظام القانوني لعقد التوطين بين القواعد العامة وخصوصيات القانون التجاري

مقدمة :

بحسب الفصل الثاني من مدونة التجارة المغربية، فإنه يفصل في المسائل التجارية بمقتضی۔ قوانين وأعراف وعادات التجارة أو بمقتضى القانون المدني، مالم تتعارض قواعده مع المبادئ الأساسية للقانون التجاري.

وتجدر الإشارة إلى أن العقود التجارية لا تستقل بنظرية عامة، بل تخضع للنظرية العامة للالتزامات والعقود في العديد من المواضيع، فبالرجوع مثلا إلى المادة 422 من مدونة التجارة نجدها تشير صراحة إلى أن عقد الوكالة بالعمولة يخضع للمقتضيات المتعلقة بالوكالة المدنية المنصوص عليها في المواد من 879 إلى 942 من قانون الالتزامات والعقود.

وتشير المادة 443 من مدونة التجارة بخصوص عقد النقل إلى إمكانية تطبيق القواعد العامة المتعلقة بعقد إجارة الصنعة المنصوص عليها في المواد من 723 إلى 729 ومن الفصل 759 إلى 780 من قانون الالتزامات والعقود وغيرها من المواد الأخرى التي تحيل فيها مدونة التجارة على القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود.

وعليه فإن الأحكام المتعلقة بالانعقاد والتنفيذ والانقضاء يشترك فيها العقد المدني والتجاري ما لم تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون التجاري والتي يستقل بها لوحده ، منها مايتعلق بالإثبات، التضامن، الشكلية، أجل الوفاء، الفائدة، التقادم، الاختصاص القضائي وصعوبات المقاولة.

وعليه فإن عقد التوطين كعقد تجاري لا يستقل بدوره بأحكام خاصة، باستثناء بعض القواعد التي جاء بها القانون 89.17، ذلك أن الكثير من القواعد الخاصة به، سواء تلك التي تهم إبرام العقد وتنفيذه، أو تلك التي ترتبط بإنهاء العقد، يتم الاستناد على قانون الالتزامات والعقود في الكثير من أحكامها.

وتجدر الإشارة إلى أنه أمام المخاطر التي تحيط بعقد التوطين، فالمشرع المغربي حاول ما أمكن إقرار بعض التدابير الاحترازية والإجراءات الوقائية للحد من هذه المخاطر، وإن كان التشريع الفرنسي متقدم في هذا الإطار مقارنة بالتشريع المغربي.

إن دراسة النظام القانوني لعقد التوطين كعقد تجاري، يستلزم التطرق لقواعد إبرام هذا العقد وآثاره (المبحث الأول) قبل معالجة الأحكام القانونية لإنهاء هذا العقد ومختلف مظاهر الرقابة المطبقة على مستواه (المبحث الثاني).


عقد التوطين بين الانعقاد والتنفيذ


القاعدة، أن القواعد المطبقة بالنسبة للعقود المبرمة من طرف التجار تخضع لقانون الشريعة العامة المنصوص عليها في إطار قانون الالتزامات والعقود، غير أنه توجد في هذا الإطار العديد من القواعد الخاصة المرتبطة بالعقود التجارية، منها ما هو منصوص عليه في إطارمدونة التجارة ومنها ما هو منظم بمقتضى نصوص خاصة.

إن هذا الخروج عن القواعد العامة يستند بالأساس من جهة إلى تسهيل وتيسير عملية إبرام العقود التجارية، ومن جهة أخرى فهي تهدف إلى ضمان تنفيذ فعال وقويحسب الفقه الفرنسي، كما يستند هذا الخروج إلى فكرة الائتمان وضمان الثقة السائدة على مستوى العلاقات التجارية (1).

وعلى العموم فإن العقود المبرمة بين التجار، لها خصوصية وقواعد متفردة260 والتي ترتبط بتكوينها (المطلب الأول) أو على مستوى تنفيذها(2) (المطلب الثاني).


المطلب الأول: إبرام عقد التوطين


إن تكوين عقد التوطين وتحديد مضمونه وشروطه، يبقى خاضعا للقواعد العامة في التعاقد وفق قانون الالتزامات والعقود(3)، وعليه فإن عقد التوطين كعقد تجاري يجب أن تتوافر فيه الأركان والشروط المتطلبة لصحة العقود والمنصوص عليها في المادة الثانية من قانون الالتزامات والعقود من أهلية ورضا ومحل وسبب وباقي المواد المنظمة.

+لا تمنع الطبيعة الخاصة لعقد الشركة عموما من خضوعه لنفس الشروط والأركان الموضوعية والشكلية التي تخضع لها أغلب العقود ، وخاصة عند التأسيس. وستكون دراستنا في هذا الإطار تقليدية نوعا ما على اعتبار أنناسنتناول أولا الأركان الموضوعية من أهلية ورضا ومحل وسبب ، ثم نتطرق ثانيا للأركان الشكلية المتمثلة في الكتابة والشهر، على أن نعالج في الإخير مختلف الجزاءات المترتبة عن تخلف إحدى هذه الأركان .


الفرع الأول : الأركان الموضوعية:


تكلف الفصل التاني من قانون الالتزامات والعقود من انتفاء عيوب الإرادة والشكلية إذا كانت متطلبة والتسليم إذا كان عينيا(4).

غير أنه لما كانت العقود التجارية تخضع في الأصل للقواعد العامة التي نص عليا قانون التزامات والعقود، فإن هناك قواعد خاصة تنطبق عليها وتميزها عن العقود المدنية، وتفسر هذه العقود بضرورة السرعة ودعم الائتمان وهما الأساسان اللذان يقوم عليها القانون التجاري بأسره (5)

وعليه فإن الأركان والشروط الخاصة بإبرام عقد التوطين لا تختلف عن باقي العقود، باستثناء بعض الخصوصيات المرتبطة بهذا العقد، وهي التي سنقوم بالتركيز عليها في إطار دراسة هذا المطلب.

فما دام كل عقد يفترض وجود متعاقدين، فإنه ونظرنا لخصوصية عقد التوطين، لا بد من التطرق بداية لأطراف العقد (الفقرة الأولى)، ولما كان أحد أطراف العقد قد يجمع بين الصفة التجارية والمهنية فإن هذا من شأنه أن يثير بعض الإشكالات بخصوص الأهلية التجارية (الفقرة الثانية)، وأخيرا لا بد من معالجة مسألة الشكلية في ظل العقد المذكور (الفقرة الثالثة).


الفقرة الأولى: طبيعة المتعاقدين في ظل عقد التوطين


بالرجوع إلى التعريف التشريعي الخاص بعقد التوطين نجد المشرع قد عرف عقد التوطين بكونه "عقد يضع بمقتضاه شخص ذاتي أو اعتباري، يسمى الموطن لديه، مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن إشارة شخص آخر ذاتي أو اعتباري، يسمى الموطن لإقامة مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي، حسب الحالة ".

وعليه، فإذا كان عقد التوطين يبرم بين الموطن لديه والموطن، فإن المشرع لم يحدد صفة المتعاقدين وطبيعتها، باستثناء كونها قد يكونان إما شخص ذاتي أو اعتباري.


فما طبيعة كل من المتعاقدين في ظل عقد التوطين؟


أولا:الموطن لديه:


تجدر الإشارة بداية إلى أنه قبل صدور القانون 89.17 ، كانت تثار العديد من الإشكاليات کا سبقت الإشارة إلى ذلك بخصوص صفة كل من الموطن لديه والموطن، حيث كان يتفق كافة المتدخلين في مجال إنشاء المقاولات على أن الشخص المعنوي يمكنه أن يوطن وأن يوطن، كما كان يجري العمل على منع توطين الشخص الطبيعي سواء من طرف الشخص الطبيعي مثله أومن طرف شخص معنوي، إضافة إلى الاختلاف على مستوى مدى صلاحية الشخص الطبيعي في أن يوطن غيره (6).

وعليه فإنه ومع صدور القانون المذكور، ومن خلال المادة 544-1 من مدونة التجارة المعدلة بمقتضى القانون 89.17، يلاحظ أن المشرع حاول معالجة مختلف هذه الإشكالات، وعليه فإن الموطن لديه أو الموطن، يمكن أن يكون شخص ذاتي أو اعتباري.


لكن ماهي طبيعة شخص الموطن لديه؟


حسب الأستاذ بنستي (7) فإن شخص الموطن يمكن أن يوطن نشاطه التجاري إما لدى "............ شركة أخرى كتوطين الفرع لدى الشركة الأم أو كتوطين النشاط التجاري لدى إحدى مكاتب الاستشارة القانونية والضرائبية، أو لدى إحدى مكاتب الخبرة المحاسبية، أو لدى إحدى وكالات التوطين المعدة لهذا الغرض.........

من هنا يتضح تعدد الصفات التي يمكن أن يتخذها شخص الموطن لديه؛ وحسب البعض فإن التوطين بالنسبة للمقاولات يقوم به أساسا خبير الحسابات والذي يقوم بالإضافة إلى التوطين بمسك حسابات المقاولات والشركات 267. فالمحاسبون يساعدون المقاولات على إجراءات التأسيس وما يتصل بها من كتابة وإبداع وشهر، وفضلا عن مسك المحاسبة وتتبع الملفات، درجت مكاتب المحاسبة عبى تمكين المقاولات المختلفة، سواء اتخذت شكل مشروع فردي أو شركة من مقر مقاولة المحاسب تشجيعا لها على البدء في إجراءات التأسيس، وإجراء جميع الأمور المتعلقة بها عبر مقاولة المحاسبة كصورة من صور الاحتكار أو الاستئثار الواقعي لضمان وفاء المقاولة وعدم انصرافها إلى مكتب محاسبة منافس (8).

لكن، هل يمكن القول أن ممارسة التوطين تنحصر فقط بالنسبة لخبير الحسابات، خاصة مع صدور القانون 89.17؟

جوابا على هذا السؤال ، يمكن القول، أنه إلى جانب خبير الحسابات فالتوطين يمكن أن تمارسه كل مقاولة (9) سواء تعلق الأمر بشخص ذاتي أو اعتباري)، وذلك يجعل مقرها بشكل مشترك - رهن إشارة مقاولة أو عدة مقاولات؛ وحسب الفقه الفرنسي، فإن هذا النوع من المقاولات الذي لا يكون مختصا في ممارسة نشاط التوطين ، يتعين عليه احترام الالتزامات الخاصة بالموطن لديه، كما أنه في الحالة التي لا يكون مالكا للمحلات، فإنه يتعين بالنسبة إليه الحصول على الموافقة المسبقة للمكتري وذلك قبل إبرام عقد التوطين(10)، ويتعين في هذا الإطار مراعاة الأحكام القانونية الخاصة بتوطين الشركات وفروعها.

غير أنه بالرجوع إلى القانون 89.17، يمكن القول أن المشرع عمل على تقنين نشاط التوطين، بما في ذلك نشاط الموطن لديه، وذلك محاولة منه في إضفاء نوع من التخصص على هذا النشاط.

ويتضح ذلك خاصة من خلال المادة 544-7 من مدونة التجارة والتي أوجبت على كل شخص ذاتي أو اعتباري يرغب في ممارسة نشاط التوطين أن يتقدم قبل الشروع في مزاولة هذا النشاط بتصريح لدى الإدارة المختصة مقابل وصل، هذا إلى جانب ضرورة تقييده في السجل التجاري.

وعليه فإن المشرع، في نظرنا سعى من خلال هذه المقتضيات إلى التقليل من الوسطاء الذين من شأنهم أن يمارسوا نشاط التوطين.

من خلال ما سبق يمكن القول أن الموطن لديه، هو تاجر يمارس نشاط التوطين بشكل اعتيادي أو احترافي طبقا للمادة 6 من مدونة التجارة المعدلة بمقتضى القانون89.17.، ويمكن أن يتخذ شكل شركة تجارية، مادام أن المشرع في إطار المادة 544-1 من القانون المذكور عند تعريفه لعقد التوطين، أشار إلى أن الموطن لديه يمكن أن يكون شخص ذاتي أو اعتباري.

إن هذا التوجه التشريعي، سيساهم لا محالة في جعل التوطين حكرا على مقاولات متخصصة في ممارسة نشاط التوطين ، وهذا يعتبر من أحد الضمانات بالنسبة للمقاولات الموطنة وأيضا حماية للأغيار من التحايل الذي قد يتعرضون له.


ثانيا: الموطن:


إذا كان المشرع قد حدد الشروط اللازمة بالنسبة لنشاط الموطن لديه، فإنه ما يلاحظ أنه بالنسبة للموطن، قد التزم الصمت بخصوص هذه المسألة، باستثناء بعض الإشارات، كأن يكون الموطن شخص ذاتي أو اعتباري.

ولعل التساؤل الذي قد يثار في هذا الصدد وخاصة أمام سکوت المشرع، وهو هل من الضروري أن يكون الموطن عبارة عن تاجر؟ بمعنى هل يقتصر - الاستفادة من التوطين بالنسبة للتجار فقط - سواء تعلق الأمر بأشخاص ذاتيين أو اعتباريين - أم أن الأمر خلاف ذلك ؟

إذا كان الهدف الأساسي من إقرار التوطين هو السعي إلى توطين المقاولات التجارية بالأساس، فإنه بالرجوع إلى مقتضيات القانون 89.17 والذي جاء بعبارات عامة، يمكن القول معه بغياب أي مقتضی۔ قانوني يجعله الاستفادة من التوطين حكرا على التجار فقط.

بل نجد بعض المقتضيات التي تثبت عكس ذلك ويتعلق الأمر أساسا بالبند 6 من المادة 454-4 من مدونة التجارة وذلك فيما يخص التزامات الموطن لديه، حيث ألقي المشرع على عاتقه التزام "التأكد من أن الموطن مسجل في السجل التجاري داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إبرام عقد التوطين، عندما يكون هذا التسجيل إجباريا بموجب النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل".

فمن خلال هذا المقتضى يمكن القول أن المشرع ألزم الموطن بالتسجيل في السجل التجاري وذلك داخل أجل 3 أشهر من تاريخ إبرام عقد التوطين، لكن عندما يكون هذا التسجيل إجباريا استنادا إلى نص القانون.

وكما هو معروف فالتسجيل بالنسبة للتجار، يعد أمرا إلزاميا وهذا ما أكده المشرع من خلال المادة 37 من مدونة التجارة والتي جاء فيها "يلزم بالتسجيل في السجل التجاري الأشخاص الذاتيين والاعتباريين، مغاربة كانوا أو أجانب، الذين يزاولون نشاطا تجاريا في تراب المملكة.........." .

وعليه ومن خلال هذا المقتضی- يمكن القول أن التسجيل الإجباري يهم بالأساس التجار وبعض الفئات الأخرى بنص القانون، وعليه ومن خلال المقتضى القانوني المشار إليه أعلاه (أي البند 6 من المادة 544-4) يمكن القول أن نية المشرع لم تتجه فقط إلى مخاطبة التجار فقط بخصوص الاستفادة من نص القانون 89.17.

لكن هذا الاستنتاج قد يتبدد من خلال البند 3 من م 544-6 من القانون المذكور التي حددت التزامات الموطن والتي من بينها ضرورة إخباره للموطن لديه بأي نزاع محتمل أو أي قضية يكون طرفا فيها بشأن نشاطه التجاري.

وعليه فإن عبارة "النشاط التجاري" من شأنها أن تثير إشكالات بخصوص طبيعة الموطن ومدى ضرورة أن يكون تاجرا.

وحسب البعض فإن التوطين عادة ما يلجأ إليه من طرف المقاولات المصدرة الراغبة في التواجد بالخارج إما للقرب من أسواقها أو لدواعي تنظيمية بحثة (11).


الفقرة الثانية: الأهلية التجارية في عقد التوطين:


يشترط لاعتبار الشخص تاجرا أن يكون متمتعا بالأهلية اللازمة لاحتراف التجارة274؛ غير أنه لا يكفي الشخص التوفر على الأهلية لممارسة الأنشطة التجارية، بل لا بد أن تكون ممارسته لتلك الأنشطة ممكنة، فقد تحول عوامل عدة تمنع الشخص من ممارسة أنشطة تجارية، وترجع هذه الموانع إما لأسباب تتعلق بشخص القائم بالنشاط أو اشتراط الحصول على إذن أو حالة صدور حكم قضائي يمنعه من ذلك .

وتجدر الإشارة إلى أن الإشكال الذي قد يثار هنا يرتبط بمسألة حالات التنافي ؟

وتتحق حالات التنافي حينما يكون الشخص خاضعا لنظامين قانونين مختلفين ومتعارضين بخصوص ممارسته لنشاطين معا، حيث يمنع كل واحد منهما عليه ممارسة نشاط آخر، يتوجب على الشخص حينئذ اختیار نشاط واحد، هكذا تقوم الحرفة الأصلية لشخص في بعض الحالات عائقا أمام ممارسته لأي نشاط تجاري، حيث نجد النظام الأساسي للوظيفة العمومية يمنع على الموظفين مزاولة أنشطة تجارية، ونفس المنع نجده في الكثير من الأنظمة الأساسية للعديد من المهن الحرة(12).

وعليه فإن الإشكال المطروح هنا خاصة، يتعلق بكون نشاط التوطين كما سبقت الإشارة إلى ذلك يمارس أساسا من طرف خبير الحسابات، غير أن صدور القانون89.17 قام بإضفاء نوع من الشروط القبلية لممارسة هذا النشاط والتي ترتبط أساسا بالصفة التجارية (الأهلية التجارية، التسجيل بالسجل التجاري...)، وبالتالي فإن هذه الوضعية من شأنها أن تثير عدة تساؤلات حول حالات التنافي ؟

بالرجوع إلى القانون 127.12 المتعلق بتنظيم مهنة محاسب معتمد وبإحداث المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين وخاصة المادة الأولى منه، نجد المشرع المغربي قد عرف المحاسب المعتمد، وذلك باعتباره الشخص الذي " تكون محنته الاعتيادية مسك محاسبات المقاولات والهيئات التي تلجأ إلى خدماته والتي لا يرتبط معها بعقد عمل وتجميع تلك الحسابات وفتحها وحصرها وتتبعا وتصحيحها...".

واستنادا إلى المادة الرابعة من نفس القانون، فإنه يمكن أن تزاول مهنة محاسب معتمد إما بطريقة مستقلة، وذلك إما بصورة فردية وإما ضمن شركة تتكون من محاسبين معتمدين، أو بصفة أجير لدى محاسب معتمد مستقل أو شركة محاسبين معتمدين.

وعليه يمكن القول أنه إذا كان المحاسب المعتمد أو مكتب المحاسبة أو الشركة المحاسبة أو الوكالة المحاسبية يمارسون نشاطا مهنيا حرا خاضعا للقانون المدني، ويطبقون القوانين والأنظمة الجاري بها العمل وكذا الأعراف السائدة في المهنة، ويراعون التوصيات الصادرة عن الهيآت والمنظمات المختصة والإدارات(13)، فإن الإشكال يحتد بشكل كبير من خلال المادة 16 من القانون 127.12 . 

ذلك أنه إذا كانت المادة 16 تمنع المحاسب من القيام بأي عمل من أعمال التجارة أو الوساطة ما عدا تلك التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمزاولة المهنة؛ فإن التوطين کنشاط تجاري إذا كان متصلا فعلا بمهنة المحاسب؛ فإنه قد يكسب هذا الأخير الصفة التجارية، والأمر هنا يتعلق بطبيعة الحال بالمحاسب المعتمد الذي يمارس مهامه بصفة مستقلة ولا يتعلق بالمحاسب المعتمد الأجير الذي يشتغل عند زميل له أو عند شركة محاسبة (م 18 من القانون المذكور ) کما لا يتعلق بشركات المحاسبة التي تكتسب الصفة التجارية بالنظر إلى الشكل الذي قد تعتمده م 8 من القانون.

وفي نظرنا فإن المشرع، لما أجاز للمحاسب المعتمد إمكانية الجمع بين محنة المحاسب والنشاط التجاري متى كان متصلا فعلا بمهنة المحاسب، فإن قصده كان يتجه إلى تلك الأعمال التجارية التي تتم ممارستها بشكل عارض ومتقطع والتي لا تخول لأصحابها الصفة التجارية.

لكن مع صدور القانون 89.17 فإن الأمر مختلف، حيث أن المشرع کما سبقت الإشارة إلى ذلك حاول إضفاء نوع من التخصص على النشاط المذكور، خاصة أمام مختلف الالتزامات التي ألقاها على عاتق الموطن لديه والتي من أبرزها ضرورة التقييد بالسجل التجاري 280، وهو ما يمكن القول معه أن الجمع بين ممارسة نشاط التوطين و محنة المحاسب المعتمد، ستجعلنا لا محالة أمام حالات التنافي، والتي سعى المشرع المغربي من إقرارها أساسا إلى ضمان الإخلاص لعمله الأصلي الذي لا يتماشى مع النشاط التجاري القائم على المضاربة كما يبرر المنع في جانب آخر بحماية الأغيار المتعاملين مع صاحب هذه المهنة أو الوظيفة:(14).

غير أن حل مختلف هذه الإشكالات في نظرنا لن يتأتى إلا من خلال المادة الرابعة من القانون 89.17 والتي جاء فيها "يمنح أجل سنة للأشخاص الاعتباريين والذاتيين الذين يمارسون نشاط التوطين، ابتداء من تاريخ نشر النصوص التنظيمية المنصوص عليها في القسم الثامن من الكتاب الرابع من القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة بالجريدة الرسمية، وذلك من أجل تسوية وضعيتهم طبقا لأحكام القسم الثامن السالف الذكر ".

وفي نظرنا فهذا النص يهم بالأساس هؤلاء الفئة من المهنين الذي يمارسون نشاط التوطين، وخاصة فيما يخص المحاسبيين المعتمدين.


الفرع الثاني: الشكلية في عقد التوطين:


سنعالج مسألة الشكلية في عقد التوطين، من خلال التطرق لمسألة الكتابة في العقد (أولا) فشرط التسجيل الخاص بهذا العقد ومدى إلزاميته (ثانيا)، فالشكلية في إطار القانون الفرنسي كأحد التشريعات المقارنة (ثالثا).


الفقرة الاولى: الكتابة في عقد التوطين:


إذا كانت الرضائية هو المبدأ الأساسي الذي يحكم العقود التجارية، فإنه قد تم التراجع على هذا المبدأ على مستوى العقود التجارية وهو الأمر الذي ينطبق على عقد التوطين (1)، غير أن الشكلية المقررة في ظل هذه العقود ومن بينها عقد التوطين-، أصبحت لها أهداف أخرى مختلفة عن الشكلية في إطار القانون المدني (2).


اولا- عقد التوطين بين الرضائية والشكلية:


الأصل أن العقود التجارية كالعقود المدنية يتطلب الإيجاب والقبول وفقا لمبدأ الحرية التعاقدية وتطبيقا لمبدأ سلطان الإرادة.

غير أن اشتراط المشرع في العقود المدنية شكلا خاصا لانعقاد العقد أو تطلب شروط معينة بالنسبة للمتعاقدين أو تطلب الرسمية في بعض العقود يكون الهدف منه هو حماية المتعاقدين في بعض العقود ذات الأهمية والتي ترتب آثارا معينة، كعقد الهبة وعقد بيع العقار...إلخ؛ أما في مجال العقود التجارية فإن هذه الشكلية أو هذه الشروط تكاد تنعدم نظرا لطبيعة هذه العقود وسرعة إجرائها وكثرتها، خاصة وأن أغلبها يتم بطريق المراسلة أو الهاتف أو الفاكس أو الإنترنيت أو الطرق الإلكترونية الحديثة(15).

وإذ كان هذا التوجه مقبولا في فترة زمنية معينة، إلا أن هذا الوضع تغير أمام الدور الجديد الذي أصبحت تقوم به الدولة من تدخل لحماية الطرف الضعيف أو توجيه الاقتصاد تحقيقا للمصلحة العامة وذلك بفرض أنظمة قانونية آمرة لا مجال فيها المبدأ سلطان الإرادة إلا في جزء ضيق جيدا(16).

وبهذا تكون العقود التجارية قد خرجت من دائرة الحرية التعاقدية كأصل عام إلى نطاق التدخل التشريعي لتوجيهها.

وغالبا ما يتم إبرام العقود التجارية وفق نماذج معدة سلفا من طرف بعض الهيئات المهنية، فما على الطرف المتعاقد إلى قبولها برمتها أو رفضها، فهذه العقود النموذجية تتضمن الشروط العامة للعقد وحقوق والتزامات الطريفين بطريقة موحدة(17).

بناء على ما تقدم، فالقانون التجاري ومن خلال العقود التجارية أصبح أكثر شكلية من القانون المدني بصفة عامة، فعلى الرغم من حرية الإثبات الي يحكم المادة 334 من مدونة التجارة إلا أن الواقع التطبيقي أبان عن تنامي الشكلية بشكل كبير خصوصا على مستوى العقود التجارية، فهذه الأخيرة بصفة عامة أصبحت محكمة بعقود نموذجية معدة سلفا بحسب نوع العقد التجاري، وقد يعزى السبب إلى كون الشكلية تسهل العمل التجاري لما توفره من وضوح بالنسبة للبنود التي قد تتضمنها، وربح للوقت في حالة النزاع بحيث يسهل الرجوع إلى العقد للتأكد من محتواه، والتثبت من مقتضياته(18).

وهذا ما ينطبق على العديد من العقود التجارية المنظمة في إطار الكتاب الرابع من مدونة التجارة 297 والتي من بينها عقد التوطين خاصة، حيث أنه ما يلاحظ أن المشرع استلزم الكتابة في هذا العقد من خلال المادة 254-4 من القانون المذكور.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا، هو ما طبيعة الكتابة المقررة في إطار المادة المذكورة؟


ثانيا- طبيعة الكتابة في عقد التوطين:


طبقا للمادة 254-4 من مدونة التجارة فإن "يبرم عقد التوطين لمدة محددة قابلة للتجديد، وفق نموذج يحدد بموجب نص تنظيمي".

من خلال هذه المادة، يتبين أن المشرع أوجب أن يبرم عقد التوطين كتابة وفق نموذج يحدد بموجب نص تنظيمي؛ وفي هذا الإطار قد يثار إشكال بخصوص طبيعة الكتابة المقررة في إطار المادة المذكورة؟

بعبارة أخرى، هل الشكلية المنصوص عليها في إطار المادة المذكورة هي شكلية إثبات أم شكلية انعقاد، أم شكلية من نوع آخر؟

إن المعنى الضيق للشكلية يحصر- وظيفتها في اعتبارها كشرط صحة في التصرفات القانونية، أما الشكلية في معناها الواسع فتقوم بأدوار ووظائف متعددة ومتنوعة أسندها لها المشرع تتجاوز مسألة الصحة لتستوعب أيضا مسائل أخرى؛ وضمن هذا المعنى الواسع تتضح قيمة الشكلية أكثر ويبرز تطورها المتسارع في مختلف الاتجاهات، إذ يلاحظ تجديد هذه الوظائف التقليدية للشكلية في العقود التجارية (19).

وسعيا إلى تحديد طبيعة الكتابة المقررة في ظل عقد التوطين وبناء على إحدى المقابلات التي تم إجراؤها مع أحد المسؤولين القضائيين (20)، تم التأكيد على أن الشكلية في قانون الأعمال بصفة عامة و القانون التجاري بصفة خاصة، لم يعد لها ذلك المفهوم التقليدي في إطار القانون المدني، بحيث أن هذه الأخيرة لا تتناسب ومجال الأعمال، ذلك أن الأمر يتعلق بمراكز قانونية ثابتة ووضعية اقتصادية قائمة.

كما أنه وحسب الفقه، فإنه أصبح للشكلية في المجال التجاري، وظائف تخرج عن القواعد التقليدية وترتبط أساسا بتحقيق سرعة المعاملات التجارية ودعم الثقة والاطمئنان، وبالتالي فإن الشكلية تحقق السرعة في المعاملات التجارية، لأنها تسهل إبرام الصفقات، ومن قبيل ذلك، اعتاد العقود النموذجية التي تسهل إبرام التصرفات القانونية، وتعجل بعقد الاتفاقات المالية للشركة؛ كما أن إدراج بعض البيانات الإلزامية في المستندات، من شأنه أن يسهل تداولها، ناهيك أن هذه البيانات تشكل من جهة أخرى شهادة إثبات لفائدة الأطراف؛ من جهة أخرى فالشكلية تعتبر حافزا على الثقة وتعد ضانا للأمان والاطمئنان باعتبارها تحمي الحقوق، وتشكل المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، كما أنها لازمة لإنجاز التصرفات ، ودعم الالتزامات .

وعلى العموم فالكتابة أصبح لها غرض وظيفي، فالتاجر الذي يروج رأسمال والدورة الاقتصادية، يصبح إقرار جزاء البطلان بالنسبة هو أمر جد قاسي، وعليه فإن الكتابة في مجال الأعمال أصبحت كتابة موجهة للاستفادة من المقتضيات القانونية على غرار الكتابة المقررة في إطار القانون 49.16 . 

من خلال ما سبق يمكن القول، أن الكتابة التي نص عليها المشرع في إطار م 544-2 من مدونة التجارة، ليست بكتابة انعقاد، حيث لا يترتب على تخلفها بطلان العقد، بل تبقى وسيلة لإثبات العلاقة القانونية القائمة بين الموطن والموطن لديه، وفي جميع الأحوال تحقيق الأهداف المشار إليها أعلاه. وعلى العموم فإن إقرار الكتابة في ظل عقد التوطين، يتماشى مع توجه المشرع الجديد الذي يسعى من خلاله إلى توحيد الكتابة على مختلف التصرفات القانونية، وحسب البعض فإن المشرع هدف بالأساس من خلال إقرار هذه الكتابة إلى ضمان الأمن والتوازن التعاقدي بين أطراف العقد(21).

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم التنصيص على نموذج العقد وذلك بهدف توحيد مقتضيات عقد التوطين والتسهيل على الإدارات عملية المراقبة والمواكبة (22).


الفقرة الثانية: إشكالية التسجيل بالنسبة لعقد التوطين:


قد تطرح في هذا الإطار إشكالية التسجيل بالنسبة لعقد التوطين ومدى إلزاميته للأطراف؟

وفي إحدى التوصيات الصادرة عن لجنة التنسيق، فإن عقد المساكنة (التوطين) غير واجب التسجيل إلا إذا طلب أطراف العقد أو أحدهم ذلك، ذلك أن الفقرة الأولى من م 127 من مدونة الضرائب عندما حددت على وجه الحصر. الاتفاقات والمحررات الخاضعة للتسجيل، فإنه لا يوجد في هذا التعداد الوارد فيها ما يفيد إلزامية تسجيل عقد المساكنة، غير أنه وفق الفقرة الثانية من نفس المادة يمكن تسجيل المحررات غير المشار إليها في الفقرة الأولى إذا طلب ذلك أطراف العقد(23).

وفي نظرنا، فإن إعفاء عقد التوطين من الخضوع لواجبات التسجيل سنعکس إيجابا بلا شك على مستوى تشجيع الاستثمار في هذا القطاع، وأيضا سيساهم في تخفيض تكلفة العقد بالنسبة للمقاولات الموطنة خاصة عندما يبرم العقد بمقابل.


الفقرة الثالتة: شكلية عقد التوطين في إطار القانون الفرنسي


بالنسبة للقانون الفرنسي. فقد أوجب أيضا كتابة عقد التوطين طبقا للفقرة الأولى من المادة(24)168-R123  من مدونة التجارة الفرنسية، واستنادا إلى الفقرة الثانية من نفس المادة، فالمشرع الفرنسي- أوجب أن يشير عقد التوطين إلى مراجع الموافقة المنصوص عليها في إطار المادة (25)3-11-L123

كما أوجب المشرع الفرنسي أن يتم شهر عقد التوطين بالسجل التجاري، استنادا إلى مقتضيات المادةR123169(26) من القانون المذكور وذلك مع اسم أو التسمية الاجتماعية ومراجع التسجيل الرئيسية بالنسبة لسجل عمومي، للمقاولة الموطن لديها.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه الذي اعتمده المشرع الفرنسي من خلال شهر عقد التوطين، هو في غاية الأهمية، خاصة من حيت توسيع نطاق الإشهار واعلام الأغيار بطيعة العلاقة الرابطة بين الطرفين، هذا التوجه كنا نأمل أيضا أن يتم اعتماده من طرف المشرع المغربي.


الفقرة الرابعة: المحل في عقد التوطين:


يتعين في هذا الإطار التمييز بالنسبة للمحل بين التزام الموطن (أولا) فالتزام الموطن لديه (ثانيا). |


أولا: بالنسبة للموطن:

يتنمل محل الالتزام بالنسبة للموطن في أداء المقابل المالي أساسا، لكن المشرع عند تعريفه لعقد التوطين في إطار المادة 544-1 لم يشر إلى التزام الموطن، وأشار فقط إلى الالتزام الخاص بالموطن لديه.

وكما سبقت الإشارة فإن عدم إشارة المشرع إلى الالتزام الراجع إلى الموطن، هو مقصود من جانبه، ذلك أن عقد التوطين قد يكون عقد معاوضة، وقد يكون عقد تبرعي.


ثانيا: بالنسبة للموطن لديه:

إن التزام الموطن لديه في عقد التوطين يتمثل أساسا في وضع مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن إشارة الموطن، وعليه فإنه قبل تحديد الشروط المتطلبة في المحل (2)، لا بد بداية من تحديد طبيعة هذا المحل (1). 


1-طبيعة المحل في عقد التوطين:

إذا كان المشرع من خلال المادة 544-1 قد أشار إلى محل عقد التوطين، بالنسبة للالتزام الموطن لديه، ويتعلق الأمر بوضع مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن إشارة الموطن، فإنه لم يحدد بالتحديد مضمون هذا الالتزام، أي نطاق الحق في المقر الخاص بالمقاولة الذي أشار إليه المشرع في إطار المادة المذكورة.

وعليه من خلال هذا التعريف يتضح أن المشرع جعل من مقر المقاولة أو المقر الاجتماعي أساس محل عقد التوطين، مما يقتضي الوقوف بعض الشيء على التعاريف المقدمة بشأن هذا الأخير (1-1) قبل التطرق لإشكالية العقار في ارتباطه بمقر المقاولة(2-1).


1 - 1 مقر المقاولة أو المقر الاجتماعي:


يقصد بموطن الشركة هو المكان الذي تتواجد فيه أجهزة تسيير وإدارة الشركة، وهو يحدد الاختصاص الترابي للمحكمة التجارية، والمكان الذي ستجرى فيه إجراءات القيد(27).

كما يقصد به المكان الرئيسي للمؤسسة والذي تتواجد فيه الإدارة الفعلية للشركة(28)، وعلى العموم فالمقر الاجتماعي أو مقر المقاولة يجسد موطن الشركة - المقاولة بصفة عامة - وهو المكان الرئيسي للمؤسسة.


1 - 2-العقار والمقر الخاص بالمقاولة :


من بين التعاريف(29) التي عرفت عقد التوطين كونه "عبارة عن نشاط تجاري يرد على العقار لإقامتة مقرا لمقاولة التاجر الذي يزاول هذا النشاط ويحترفه يكون موضوع عقد هو عقد التوطين، محل العقد هو مقر مقاولة هذا التاجر أو مقره الاجتماعي الذي يضعه رهن إشارة الآخرين (الموطنين ). قصد اتخاذه كموطن مختار". 

من خلال هذا التعريف يمكن القول أن خاصية نشاط التوطين تتجلى في كونه يعتبر خدمة ترد على العقار.

وقد ذهب بعض الباحثين بهذا الصدد إلى طرح الإشكال التالي: ألا يشكل البند 19 من م 6 والقسم الثامن من الكتاب الرابع من مدونة التجارة، تعارضا ونتاقضا مع أحكام البند 3 من نفس المادة التي لا تعتبر المضاربة في الأكرية العقارية بمثابة نشاط تجاري وإنما نشاط مدني؟

وقد أجاب الباحث عن هذا التساؤل باعتبار أنه ليس هناك أي تناقض، لأن التوطين ليس بعقد كراء يرد على العقار، وإن كان وجود العقار هو ضروري لممارسة نشاطه التجاري ومن مكونات العقد، لأن التاجر الموطن لديه- يقيم مقر مقاولته ويخصصه (والذي يعتبره عقار) للمقاولات والتجار الآخرين ؛

إن عقد التوطين هو عقد كراء ليس محله العقار وانما مقر مقاولة الموطن لديه.

من خلال ما سبق، يمكن القول أن محل عقد التوطين، يتمثل أساسا في مقر مقاولة الموطن لديه أو مقره الاجتماعي، وليس العقار الذي يستخدمه الموطن لديه في تمكين الموطن من مقر مقاولته، لأنه لو كان الأمر خلاف ذلك فالعقد آنذاك لا يكيف على أساس أنه عقد توطين وإنما عقد كراء؛ غير أن الموطن في هذه الحالة لا تكون له صلاحيات واسعة على مستوى المحل(30) (مقر المقاولة أو المقر الاجتماعي)، وبالتالي فالصلاحيات التي يتيحها المقر لا تتعدى، الصلاحيات التي تجعل المقر مجرد محل مخابرة للمقاولة الموطنة، بما يضمن لها عنوان بريدي وسكرتارية من أجل ضمان مراستلها والتواصل مع الأغيار.

وإذا كان المقر الاجتماعي أو مقر المقاولة الذي تحصل عليه المقاولة الموطنة، يخولها أساسا الحصول على عنوان بريدي، فإن ما ينبغي التأكيد عليه أن هذه الخدمات غیر محصورة وتخضع لاتفاق الأطراف وإن كان البعض قد حدده المشرع المغربي؛ وعليه فإن المقاولات الموطن لديه من شأنها أن تعرض على الموطنين خدمات أخرى ويتعلق الأمر بوضع التجهيزات رهن إشارتها، القيام بالمساعدة المحاسبية... (31).


2- الشروط المتطلبة في المحل:


بالرجوع إلى قانون الالتزامات والعقود نجده قد حدد الشروط العامة لمحل العقد، وذلك بأن يكون مشروعا, معينا، ممكنا، وموجودا(32)؛ وإلى جانب هذه الشروط العامة الخاصة بالمحل، فإنه في ظل عقد التوطين فالقانون 89.17 استلزم مراعاة مجموعة من الشروط الخاصة في المحل موضوع العقد.

وعليه فقد اشترط المشرع مجموعة من الشروط في مقر المقاولة والذي يكون موضوعا للتوطين كما يتضح من خلال البند الأول من الفقرة الأولى من م 544-8 من مدونة التجارة، حيث أوجب بالنسبة للموطن لديه ضرورة "إثبات ملكية المحلات الموضوعة رهن إشارة الشخص الموطن أو التوفر على عقد كراء لهذه المحلات التجارية والتي لا تكون موضوع حجز. وإذا كانت المحلات المذكورة موضوع رهن فإنه يتعين التنصيص على ذلك في عقد التوطين".

وعليه فإن يتضح أن العقار الموطن فيه يمكن أن يكون مملوكا للموطن لديه أو مستأجرا من طرفه، بيد أن المحل يجب أن يكون مخصصا للتجارة إذا كان الموطن لديه مستأجرا؛ غير أن ممارسة نشاط التوطين في محلات مستأجرة لغرض ممارسة نشاط تجاري قد ينطوي على تغيير النشاط الممارس في المحل، ما يفترض الحصول على موافقة المؤجر وهو مالم ينص عليه المشرع، في حين أن مالك الأصل التجاري المكتري للعقار إذا قام بتغيير نشاط أصله التجاري دون موافقة المالك، فإن هذا الأخير يمكنه رفض التجديد عقد الكراء دون تمكينه من التعويض (33)، ماعدا إذا عبر المكتري عن نيته في إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه داخل الأجل الممنوح له، على أن يتم هذا الإرجاع في جميع الأحوال، داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر(34).

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الفرنسي-كان اكثر دقة بخصوص شروط المحل الذي يمارس نشاط التوطين على مستواه، فقد منع ممارسة نشاط التوطين في محل معد السكنى الرئيسي أو محل متعدد الاستعمالات ومحني(35).

من الشروط الأخرى الذي اشترطها المشرع استنادا إلى المادة المذكورة، في المحل موضوع عقد التوطين، ألا تكون هذه المحلات موضوع حجز، كما أنه إذ كانت المحلات المذكورة موضوع رهن، فإنه يتعين التنصيص على ذلك في عقد التوطين.

إن الهدف الأساسي، من هذا الشرط هو تفادي بالأساس المشاكل التي قد تترتب على الحجز، والتي من شأنها التأثير على عملية توطين المقاولة وعلى استمرار نشاطها(36)، كما أن إلزام الموطن لديه بضرورة التنصيص في عقد التوطين علی کون المحلات خاضعة للرهن، فيها حماية للمقاولة الموطنة وجعلها على بينة من أمرها بخصوص الوضعية القانونية للمحلات موضوع عقد التوطين؛

وتجب الإشارة إلى الصيغة الأولى للمادة 544-8 من مشروع القانون 89.17 فيا يخص هذا الشرط وذلك على الشكل التالي "إثبات ملكية المحلات الموضوعة رهن إشارة الشخص الموطن أو التوفر على عقد كراء لهذه المحلات التجارية والتي لا تكون موضوع رهن أو حجز".

فما يلاحظ من خلال هذه الصياغة القديمة أن المشرع، كان يمنع استعمال المحلات في توطين المقاولات والتي سواء كانت موضوع حجز أو رهن، لكن في ظل الصياغة الحالية تراجع عن هذا المنع بالنسبة للمحلات موضوع الرهن، واشترط فقط أن يتم التنصيص على ذلك في عقد التوطين.

والمبرر الأساسي في ذلك، كون الموطن لديه يستمد عائداته المالية من توطين الأغيار التي تشكل موردا ماليا مما لتغطية تكاليف الرهن الناتج عن كراء المحل موضوع مزاولة نشاط المقاولة الموكول لصاحبها بأن يكون موطنا عنده (37).

وعلى العموم، فإن إجازة المشرع استخدام المحلات والتي تكون موضوع رهن، في توطين المقاولات، يعتبر أمر إيجابيا، وذلك خاصة من حيث تشجيع الاستثمار من خلال دفع الأشخاص إلى الاستثمار في مجال التوطين، وهذا من شأنه أيضا أن يحفز إنشاء المقاولات ويساعدها على بداية نشاطها .

وقد يثار تساؤل في هذا الإطار يتعلق بمدى جواز استعمال أو مشاركة نفس المقر الخاص بالمقاولة الموطنة أو المقر الاجتماعي محل التوطين - من طرف عدة مقاولات ؟

وحسب بعض الفقه فإنه لا يقتصر التوطين على توطين مقاولة واحدة، بل يمكن توطين مقاولات عديدة في نفس المقر(38)، كما أن المشرع اكد على نفس المسألة من خلال المادة 544-3 والتي جاء في إطارها على أنه يجوز لك شخص ذاتي أو اعتباري أو أي فرع أو وكالة، إقامة مقر المقاولة أو المقر الاجتماعي في محلات تشغل بشكل مشترك مع مقاولة أو عدة مقاولات.........".


المطلب الثاني: آثار العقد والتزامات وحقوق الأطراف خلال سريان العقد:


إن الهدف من إنشاء العقود هو تنفيذها عن طريق إعمال آثارها، ومن ثم يشكل هذا التنفيذ امتدادا طبيعيا لتطابق إرادتي العاقدين (39).

وتقضي النظرية التقليدية بهذا الخصوص بأن للعقد آثارا نسبية، فهو كاتفاق إرادات لا يلزم إلا أطرافه دون غيرهم، ومن ثم فلتحديد الأشخاص المرتبطين بالعقد يتعين تمييز العاقدين عن الأغيار، فالعقد يسري على أطرافه ولا يهم غيرهم الذين يظلون أجانب عن دائرة الالتزامات التعاقدية(40).

وعليه، ومن خلال ماسبق يمكن القول أنه إذا كان عقد التوطين يرتب أساسا آثارا في مواجهة الموطن والموطن لديه (الفقرة الأولى)، ولا يسري على الأغيار كقاعدة فإن المشرع رغم ذلك فقد قرر عدة مظاهر حمائية لهم على مستوى إبرام العقد المذكور (الفقرة الثانية).


الفرع الاول: آثار العقد بين الأطراف المتعاقدة:


يعتبر التوطين عبارة عن عقد مکتوب؛ محددة المدة يبرم بين طرفين أحدهما مالك أو مكتري الأماكن ويسمى بالمقاولة الموطن لديها l'entreprise domiciliataire والآخر المقاولة الراغبة في أن توطن لديها؛ وتسمى بالمقاولة الموطنة l'entreprise domiciliée (41).

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن عقد التوطين هو عقد ملزم لجانبين أو عقد تبادلي، وعليه فإنه يرتب التزامات متقابلة سواء بالنسبة للموطن لديه (أولا) أو الموطن (ثانيا).


الفقرة الاولى: التزامات الموطن لديه:


 بالرجوع إلى المادة 544-4 نجدها قد حددت التزامات الموطن لديه على الشكل الآتي:

  1. وضع رهن إشارة الشخص الموطن محلات مجهزة بوسائل الاتصال، تتوفر على قاعة لعقد الاجتماعات، وكذا محلات معدة لمسك السجلات والوثائق المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل وتمكن من حفظها والاطلاع عليها؛
  2.  التأكد من هوية الشخص الموطن، وذلك بطلب نسخة من وثيقة هوية الشخص الذاتي الموطن أو شهادة التقييد في السجل التجاري أو أي وثائق أخرى تسلمها السلطة الإدارية المختصة، تمكن من تحديد هوية الشخص الموطن؛
  3.  حفظ الوثائق المتعلقة بنشاط المقاولة والالتزام بتحيينها؛
  4. حفظ الوثائق التي تمكن من تحديد هوية الشخص الموطن لمدة خمس سنوات على الأقل بعد انتهاء علاقات التوطين؛ 
  5.  مسك ملف عن كل شخص موطن يحتوي على وثائق الإثبات تتعلق فيها يخص الأشخاص الذاتيين، بعناوينهم الشخصية وأرقام هواتفهم وأرقام بطاقات هويتهم، وكذا عناوین بريده الإلكتروني، وفيما يخص الأشخاص الاعتباريين، وثائق تثبت عناوين وأرقام هواتف وبطاقات هوية مسيريها وكذا عناوین بريدهم الإلكتروني. ويحتوي هذا الملف أيضا، على وثائق تتعلق بجميع محلات نشاط المقاولات الموطنة، ومكان حفظ الوثائق المحاسباتية في حال عدم حفظها لدى الموطن لديه؛ 
  6. 6. التأكد من أن الموطن مسجل في السجل التجاري داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إبرام عقد التوطين، عندما يكون هذا التسجيل إجباريا بموجب النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل؛ 
  7. موافاة المصالح المكلفة بالضرائب والخزينة العامة للمملكة، وعند الاقتضاء إدارة الجمارك، بلائحة الأشخاص الموطنين خلال السنة المنصرمة، وذلك قبل تاريخ 31 يناير من كل سنة؛ 
  8. إشعار مصالح الضرائب والخزينة العامة للمملكة، وعند الاقتضاء إدارة الجمارك، داخل أجل لا يتعدى خمسة عشر يوما من تاريخ توصله بالرسائل المضمونة المرسلة من قبل المصالح الجبائية إلى الأشخاص الموطنين، بتعذر تسليمها إليهم؛ 
  9.  إخبار كاتب الضبط لدى المحكمة المختصة ومصالح الضرائب والخزينة العامة للمملكة، وعند الاقتضاء إدارة الجمارك، بانتهاء مدة عقد التوطين أو الفسخ المبكر له، وذلك داخل أجل شهر من تاريخ توقف العقد؛
  10. 1تمكين المفوضين القضائيين ومصالح تحصيل الديون العمومية، الحاملين لسند تنفيذي، من المعلومات الكفيلة بتمكينهم من الاتصال بالشخص الموطن.
  11.  السهر على احترام سرية المعلومات والبيانات المتعلقة بالموطن.

في حالة عدم احترام الالتزامات المحددة في البنود 5 و6 و7 و8 و9 من هذه المادة و دون الإخلال بأحكام المادة 544-11 أدناه فإن الموطن لديه يتحمل المسؤولية التضامنية في أداء الضرائب والرسوم المتعلقة بالنشاط الممارس من طرف الموطن.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 544-4 تهدف إلى تحديد التزامات الموطن لديه والشروط الواجب احترامها من طرفه وذلك من أجل حماية مصالح الموطن لديه وكذا تمكين الإدارة من التوفر على جميع المعطيات والوثائق التي تمكنها من تتبع النشاط المزاول وترتيب الآثار ذات الطبيعة الإدارية والمالية(42).

ويعاقب الموطن لديه بغرامة من عشرة آلاف (10000) إلى عشرين ألف (20000) درهم ، طبقا للمادة 544-11، في حالة إخلاله بهذه الالتزامات.

فيما يخص التشريع الفرنسي، فهو أيضا حدد التزامات الموطن لديه، وهي في العموم التزامات مشابهة لتلك المقررة في م544-4 بالنسبة للقانون المغربي، كما يتضح من خلال البند الأول من الفقرة الأولى من مR123168(43) من مدونة التجارة الفرنسية.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الفرنسي أوجب بالنسبة للموطن لديه ضرورة احترام هذه الالتزامات والإشارة إليها عند تقديم طلب الحصول على الموافقة لممارسة نشاط التوطين من طرف السلطة الإدارية المختصة، طبقا للمادة 3-11-(44)L123  مدونة التجارة الفرنسية.


الفقرة الثانية: التزامات الموطن:


وقد نص المشرع على التزامات الموطن في إطار المادة 544-6 من مدونة التجارة المعدلة وهي كالتالي: 

  1.  التصريح لدى الموطن لديه، إذا تعلق الأمر بشخص ذاتي، بكل تغيير في عنوانه الشخصي- ونشاطه، وإذا تعلق الأمر بشخص اعتباري، التصريح بكل تغيير في شكله القانوني، وتسميته وغرضه، وكذا أساء وعناوين المسيرين والأشخاص الذين يتوفرون على تفويض من الموطن للتعاقد باسمه مع المؤن لديه، وتسليمه الوثائق المتعلقة بذلك؛ 
  2. تسليم الموطن لديه كل السجلات والوثائق المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل واللازمة لتنفيذ التزاماته؛ 
  3.  إخبار الموطن لديه بأي نزاع محتمل أو أي قضية يكون الموطن طرفا فيها بشأن نشاطه التجاري؛ 
  4.  إخبار كاتب الضبط لدى المحكمة المختصة ومصالح الضرائب والخزينة العامة للمملكة، وعند الاقتضاء إدارة الجمارك، بتوقف التوطين وذلك داخل أجل شهر من تاريخ انتهاء مدة العقد أو فسخه المبكر؛
  5.  منح وكالة يقبلها الموطن لديه، لاستلام كل التبليغات باسمه؛
  6.  الإشارة إلى صفته كون لدى الموطن لديه في جميع فاتوراته ومراسلاته وسندات الطلب والتعريفات والمنشورات وسائر الوثائق التجارية المعدة للأغيار.

ويعاقب الموطن في حالة عدم احترام هذه الالتزامات بغرامة من خمسة آلاف (5000) إلى عشرة آلاف (10000) درهم طبقا للمادة 544-10. 

و بالرجوع إلى مدونة التجارة الفرنسية، نجد أن الأمر يتعلق عموما بنفس الالتزامات طبقا للمادة (45)168-R123 من خلال البند الثاني من الفقرة الأولى، إلا أن المشرع الفرنسي. كما يتضح من خلال المقتضى القانوني المذكور أشار إلى التزام على عاتق الموطن، لم يشر إليه المشرع المغربي ويتعلق الأمر بضرورة تخصيص واستعمال المحلات موضوع عقد التوطين بشكل حصري وفعلي كمقر للمقاولة.

وإلى جانب الالتزامات المذكورة أعلاه فقد تلتزم المقاولة المستفيدة من التوطين بأداء بدل مالي une compensation financiere تختلف قيمته باختلاف الخدمات التي تقدمها المقاولة الموطن لديها(46)، وذلك خاصة عندما يبرم عقد التوطين بمقابل.

من خلال ماسبق، يمكن القول أن هذه الالتزامات تشكل الحد الأدنى من الالتزامات، إذ يمكن أن ينص عقد التوطين على التزامات أخرى ضرورية لتنفيذ العقد.


الفرع الثاني: آثار العقد وحماية الأغيار:


تجدر الإشارة إلى أن من أكثر المصالح تعرضا للضرر من جراء إبرام عقد التوطين، هو المصالح الضريبية للدولة، مما عمل المشرع على إقرار العديد من الضمانات لحماية هذه الأخيرة من المخاطر التي قد تترتب عن إبرام العقد المذكور (أولا)، غير أن المصالح المرتبطة بعقد التوطين لا تنحصر في الإدارة الضربية بل هناك أغيار آخرون يتعاملون مع المقاولات الموطنة، مما يستلزم توفير بعض الحماية القانونية لهم (ثانيا).


الفقرة الاولى: التوطين وحقوق إدارة الضرائب.


بداية تجدر الإشارة إلى أنه من بين الأسباب التي أخرت صدور قانون التوطين، أو التي كانت تعرقل صدوره بالأساس هو المسائل الضريبية والحقوق المرتبطة بالدولة(47).

إن التوطين رغم فوائده الكثيرة وخاصة بالنسبة للمقاولات الحديثة النشأة، فإنه تعترضه كثير من المخاطر وخاصة فيما يتعلق بالمقاولات الملزمة جبائيا، والتي تختار موطنا جبائيا لدى جهة أخرى تحتضنها وتمسك محاسبتها، مما قد يخلق صعوبات ومتاعب لإدارة الضرائب في مجال استخلاص الجبايات'(48).

 غير أن مشرع القانون 89.17 حاول التخفيف من هذه المخاطر بإقرار المسؤولية التضامنية للموطن لديه، في حالة إخلاله بالتزاماته خاصة تلك التي تمس مصالح إدارة الضرائب كما يتضح من خلال الفترة الأخيرة من المادة 544-4.

غير أن الإشكال الذي طرح في هذا الإطار، هو طبيعة الالتزام المقرر في هذه الفقرة، هل هو التزام شخصي أو التزام تضمني؟

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع القانون 68.13 والذي تم التراجع عنه، كان قد أكد على أن مقتضيات الخاص بالمسؤولية التضامنية المقررة في إطار مدونة تحصيل الديون العمومية، تستبعد في حالة احترام الالتزامات المقررة، في مشروع القانون69.13.

وحسب الأستاذ بنستي(49)، فإنه "من أجل التخفيف من هذا الإكراه القانوني المتعلق بالمسؤولية التضامنية للموطن لديه عن الديون الجبائية للأشخاص الذين تم توطينهم، فقد نص مشروع قانون التوطين على أن مقتضيات المادة 93 من مدونة التحصيل الديون العمومية لا تطبق في حالة تقيد الموطن لديهم با لمقتضيات الواردة في نص هذا المشروع". 

وإذا كان الأمر لا يطرح إشكالات في إطار مشروع القانون 68.13 ، فإن الأمر خلاف ذلك مع صدور القانون 89.17 والذي جاء بفقرة أخيرة في إطار المادة 454-4، التي تقرر المسؤولية التضامنية للموطن لديه، في حالة عدم احترام الالتزامات المحددة قانونا.

وحسب الأستاذ زهير نعيم فإنه "..تعتبر هذه الحالة إضافة إلى حالات التضامن المنصوص عليها في القانون، وهي من دون شك لا تشكل ولن تشكل نسخا لأحكام المادة 93 من مدونة التحصيل الديون العمومية؛ ولا حتى استثناء من مقتضياتها لأن آلية الناسخ والمنسوخ والأولوية في التطبيق تشتغل لصالح القانون الضريبي طبقا لمبدأ استقلالية المقتضيات الضريبية عن الشريعة العامة، وعن النصوص القطاعية على غرار مدونة التجارة، كما أن النص الخاص تجسده في هذه الحالة مدونة تحصيل الديون العمومية التي ورد فيها: "تعتبر قابلة للتنفيذ، جداول الضرائب وقوائم الإيرادات وسندات التحصيل الأخرى الموضوعة للتحصيل بكيفية قانونية، ضد المدينين المسجلين فيها وضد ذوي حقوقهم وكل الأشخاص الآخرين الذي جعل المدينون موطنهم الجبائي لديهم بموافقتهم"(50).

وقد أضاف الأستاذ إلى كون "...هذا النص لا يقرر التزاما تضامنيا للموطن لديه بقدر ما يقرر مسؤولية شخصية تجاه إدارة الضرائب، فالموطن لديه يكون ملزما من قبل المحاسب العمومي المكلف بنفس الصفة كما لوتعلق الأمر بالشخص الملزم الموطن لديه، وما يميز الالتزام الشخصي- عن الالتزام التضامني أن هذا الأخير لا يتقرر إلا على سبيل الضم والإضافة إلى التزام أصلي قائم هو التزام المدين الأصلي، فالتضامن إنما يرتب میلاد ضمان إضافي للتنفيذ لصالح الدائن، وإذا قام مدين بالتنفيذ فإنه يستفيد من حق متابعة المدينين بالمبالغ التي قدمها لصالحهم.، بیان ذلك أن الالتزام التضامني يقي التزام المدين الأصلي ولا ينفيه أو يتجاهله كما في المادة 93 من مدونة التحصيل العمومية..............(51)".

وقد وصل الأستاذ إلى استنتاج، حيث ذهب إلى القول في هذا الإطار ".........وبناء عليه لا نرى أن الفقرة الأخيرة من المادة 454-4 م.ت تحدد نطاق الالتزام الوارد في المادة 93 من مدونة تحصيل الديون العمومية أو ترسم حدوده أو تقید نصه أو تفصل مجمله، بل هي تنشئ التزاما تضمنيا مستحدثا يخالف الالتزام الأصلي للموطن لديه، كمخاطب على نفس المستوى مع المدين بموجب السندات التنفيذية وليس متضامنا معه، بيد أنه إذا كان للمشرع رأي آخر فإنه مدعو إلى نسخ أحكام المادة 93 أو تعديلها بما ينسجم مع الالتزام التضامني الوارد في مدونة التجارة، وهو أمر يصعب التسليم به في ظل الحالة الراهنة للقانون الوضعي المغربي على الأقل........................."(52).

وفي نظرنا، فإننا نساير هذا التوجه، ذلك أن إدراج المشرع للفقرة الأخيرة في إطار المادة 544-4 والتي تقرر المسؤولية التضامنية للموطن لديه، لا يشكل نسخا المقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية، بل يتعلق الأمر باستحداث التزام تضامني جديد مقرر، يضاف إلى جانب الالتزام الشخصي المنصوص في هذه المدونة.

ودائما في إطار الحديث عن العلاقة بين إدارة الضرائب والتوطين، فقد اعتبرت محكمة النقض الفرنسية في أحد قراراتها(53) "..أن التوطين المعتبر على أساس أنه صوري لشركة في الخارج لا يشكل قرينة لقيام الغش الضريبي استنادا إلى القانون الضريبي، وذلك استنادا إلى كون فروع الشركة تزاول نشاطا فعليا بفرنسا...".


الفقرة الثانية: التوطين وحماية باقي الأغيار:


کا سبقت الإشارة إلى ذلك، فعقد التوطين لا تنحصر- آثاره بين الموطن والموطن لديه، فهو عقد يمس في عمقه عدة أطراف، ويتعلق الأمر أساسا بالأغيار المتعاملين بالمقاولة الموطنة، مما كان يستلزم معه الأمر إقرار بعض التدابير بهدف إعلام الأغيار بالوضعية القانونية الحقيقية للموطن وطبيعة العقد الرابط بينه وبين الموطن لديه. 

وعليه، فإن المشرع قد عمل على حماية الأغيار، خاصة من خلال التزامات كل من الموطن لديه والموطن المشار إليها أعلاه التي تهدف في جانب كبير إلى إحاطة الأغيار علما بطبيعة العقد الرابط بين الطرفين، بل وخلاف مختلف مراحل العقد (الفسخ والتوقيف....).

وفي نظرنا فإن الالتزام الأخير المقرر في إطار البند 6 بالنسبة للموطن لديه، من المادة 544-6 من مدونة التجارة، يعتبر في نظرنا من أهم هذه الالتزامات والتي تهدف إلى جعل الأغيار على بينة من طبيعة العقد الرابط بين الموطن والموطن لديه، حيث جاء فيها "...الإشارة إلى صفته كموطن لدى الموطن لديه في جميع فاتوراته ومراسلاته وسندات الطلب والتعريفات والمنشورات وسائر الوثائق التجارية المعدة للأغيار".


لائحة المراجع


(1) - Dominique Legeais, ouvrage précité, page 451. 258 -une exécution plus rigoureuse. 259 - Dominique Legeais, IBID, page 451. 260 -Un particularisme.

(2) -- Dominique Legeais, IBID, page 452.

(3) - المهدي شبو، مرجع سابق، ص 96.

(4) -محمد المقريني، مرجع سابق، ص17و 18. 264 - كوتار شوقي، النظام القانوني للعقود التجارية في التشريع المغربي، مجلة القانون التجاري، العدد الرابع 2017، مطبعة الأمنية، الرباط، ص 169.

(6)- المهدي شبو، مرجع سابق، ص98.

(7)- عز الدين بنستي، توطين المقاولات التجارية على ضوء مشروع القانون رقم 68.

(8) - زهير نعیم، مرجع سابق، ص142 و143.

(9)- تجدر الإشارة إلى أن الممارسة العملية، كانت تعرف بشكل كبير هذا النوع من التوطين قبل صدور القانون 89 . 17 ، وذلك في إطار ما يعرف بین المساكنة التي تتم بين الشركات.

(11) - عبد اللطيف إدوطفرت، مرجع سابق، ص34. 273 - الاهلية التجارية المقصود هنا، هي الأهلية الخاصة بشخص الموطن لديه، لأن هو التاجر هنا وهو الذي قد تطرح إشكالات بشأنه، خاصة فيما يخص حالات التنافي، أما الأهلية الخاصة بالموطن فهي تخضع للقواعد العامة، او لقواعد الأهلية التجارية متى تعلق الأمر بتاجر. 274 -سميحة القليوبي، الوسيط في شرح القانون التجاري المصري، الجزء الأول، دار النهضة العربية ، 2012، ص200. 275 - عبد الرحيم شميعة، القانون التجاري الأساسي، مرجع سابق، ص117 و118.

(12)- عبد الرحيم شميعة، القانون التجاري الأساسي، نفس المرجع، ص118. 277 - الجريدة الرسمية عدد 6388 (20 أغسطس 2015)، ص7144.

(13) - زهير نعیم، مرجع سابق، ص143. 

(14)- عبد الرحيم شميعة، القانون التجاري الأساسي، مرجع سابق، ص 119.

(15) - محمد المقريني، مرجع سابق، ص24.

 (16)- محمد المقريني، نفس المرجع، ص24. 

(17)- محمد المقريني، نفس المرجع، ص27 و28.

(18)- محمد المقرينی، مرجع سابق، ص28. 287 - إن لم نقل أغلبها، ويتعلق الأمر بعقود الرهن دون التخلي عن الحيازة، عقود الوساطة، العقود البنكية....إلخ.

(19)- بلعيد توبس، العقود التجارية بين الرضائية والشكلية في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون الأعمال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة القاضي عياض، مراکش، السنة الجامعية2017 - 2016 ، ص97 و 98.

(20)-  مقابلة تم إجراءها مع نائبة رئيس المحكمة التجارية بمكناس (أنضر الملحق)

(21)- الحسن بيهي، الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربي، مطبعة مكتبة دار السلام، الطبعة الثانية 2007، ص21. 291 ونذكر على سبيل المثال، ما يتعلق بعقد الكراء التجاري أو الكراء السكني أو المهني.

(21)- HAMDINI Adib, ouvrage précité.

(22)- تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية، مرجع سابق، دون بيان الصفحة.

(23)- توصيات لجنة التنسيق المتعلقة بالسجل التجاري، التوصية المقدمة بمناسبة السؤال رقم 76، مرجع سابق.


(24) - Article R123-168 « Le contrat de domiciliation est rédigé par écrit. Il est conclu pour une durée d'au moins trois mois renouvelable par tacite reconduction, sauf

cite reconduction, sauf préavis de résiliation........ ».

(25) - Article R123-168 «Le contrat de domiciliation mentionne les références de l'agrément prévu par l'article L. 123-11-3. ». 

(26) - Article R123-169 «Le contrat de domiciliation prévu aux articles R. 123-167 et R. 123-168 est mentionné au registre du commerce et des sociétés.

(27)-  رشید عثمان، الشخصية المعنوية للشركات، مجلة البحوث، العدد المزدوج الرابع عشر والخامس،2016 - 2015 ، مطبعة الأمنية، الرباط، ص 65.

(28) -Jérôme Bonnard, droit des sociétés, édition hachette livre, 11e édition, 2014, page 75. 300 Dominique Legeais, ouvrage précité, page 168.

(29)- إلهام الهواس، "بعض صور التطور المتواتر للمادة التجارية في التشريع المغربي"، مرجع سابق. 302 - إلهام الهواس، "بعض صور التطور المتواتر للمادة التجارية في التشريع المغربي"، نفس المرجع. 303 - إلهام الهواس، "بعض صور التطور المتواتر للمادة التجارية في التشريع المغربي"، نفس المرجع

(30) -أنظر بهذا الشأن الفقرة الأولى من المطلب الأول من المبحث الثاني من الفصل الأول، وذلك بخصوص دراسة العلاقة ما بين المقر الاجتماعي أو مقر المقاولة والمقر الذي حصلت المقاولة من خلال عملية التوطين.

(31) - Marianne Chironnier et Géraldine Binquet, ouvrage précité, page 22.

(32)- أنظر بهذا الشأن الفصل 57 وما بعده من قانون الالتزامات والعقود.

(33) - زهير نعیم، مرجع سابق، ص141.

(34)- تنص المادة 8 من القانون 49 .16 :" لا يلزم المكري بأداء أي تعويض للمكتري مقابل الإفراغ في الحالات الآتية:

........13- إذا قام المكتري بتغيير نشاط أصله التجاري دون موافقة المالك، ماعدا إذا عبر المكتري عن نيته في إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه داخل الأجل الممنوح له، على أن يتم هذا الإرجاع، في جميع الأحوال، داخل أجل الايتعدى ثلاثة أشهر........ .

(35) - Article L121-11-2 du code du commerce française « l'activité de domiciliation ne peut être exercée dans un local à usage d'habitation principale ou à usage mixte professionnel ».

(36) - تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية، مرجع سابق، ص14. 

(37)- تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية، نفس المرجع، ص14.

38)- سعاد بنور، النظام القانوني للتاجر وفق آخر المستجدات القانونية والاجتهادات القضائية، ، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية 2019، الدار البيضاء، ص 75.

(39) - عبد الحق صافي، القانون المدني- الجزء الأول: المصدر الإرادي للالتزامات، العقد، الكتاب الثاني (آثار العقد)، ، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 2007- الدار البيضاء، ص5. 

(40) - عبد الحق صافي، مرجع سابق، ص7.

(41)- المهدی شبو، مرجع سابق، ص96.

(42) - تقرير لجنة القطاعات الإنتاجية، مرجع سابق، دون بيان الصفحة.

(43)- Article R123-168 « ....................conditions suivantes : 1° Le domiciliataire doit, durant l'occupation des locaux, être immatriculé au registre du commerce et des sociétés ; toutefois, cette condition n'est pas requise si le domiciliataire est une personne morale française de droit public ou une association regroupant des personnes morales françaises de droit public. Le domiciliataire met à la disposition de la personne domiciliée des locaux dotés d'une pièce propre à assurer la confidentialité nécessaire et à permettre une réunion régulière des organes chargés de la direction, de l'administration ou............ ».

(44) - Article L123-11-3 «I. # Nul ne peut exercer l'activité de domiciliation s'il n'est préalablement agréé par l'autorité administrative, avant son immatriculation au registre du commerce et des sociétés. II. # L'agrément n'est délivré qu'aux personnes qui satisfont aux conditions suivantes

1° Justifier la mise à disposition des personnes domiciliées de locaux dotés d'une piece propre a assurer la confidentialité nécessaire .................. ».


(45) - Article R123-168 « .........2° La personne domiciliée prend l'engagement d'utiliser effectivement et exclusivement les locaux, soit comme siège de l'entreprise, soit, si le siège est situé à l'étranger, comme agence, succursale ou représentation. Elle se déclare tenue d'informer le domiciliataire de toute modification concernant son activité. Elle prend en outre l'engagement de déclarer, s'agissant d'une personne physique, tout changement de son domicile personnel ou, s'agissant d'une personne morale, tout changement relatif à sa forme juridique et à son objet, ainsi qu'au nom et au domicile personnel des personnes ayant le pouvoir de l'engager à titre habituel. La personne domiciliée donne mandat au domiciliataire qui l'accepte de recevoir en son nom toute notification........... ».

(46) - المهدي شبو، مرجع سابق، ص97.

(47). https://leconomiste.com/article/1024404-la-domiciliation-d-entreprise-faitson-entree Lien précité.

(48) - عز الدين بنستي، الشركات في القانون المغربي، مرجع سابق، ص54.

(49)- عز الدين بنستی، توطين المقاولات التجارية على ضوء مشروع القانون رقم 68.13 بتتميم مدونة التجارة، مرجع سابق، ص50.

(50) - زهير نعیم، مرجع سابق، ص144، 145. 

(51) - زهير نعیم، نفس المرجع ، ص 145. 

(52)زهير نعیم، نفس المرجع ، ص 145، 146.

(53) -Cour de cassation, chambre commerciale, audience publique du 15 juin 2010, No de pourvoi :09-68087, Non publié au bulletin. 328 - ... ALORS ENFIN QUE la domiciliation supposée fictive d'une société à l'étranger ne caractérise une présomption de fraude fiscale telle que prévue par l'article L. 16 B du livre des procédures fiscales que dans la mesure où ces filiales exercent une activité en France ; qu'en se bornant à relever que la domiciliation des sociétés Mermoz au Luxembourg ou au Pays-Bas est fictive sans constater le moindre élément de nature à établir que ces sociétés exercent une activité, que ce soit en France ou dans un autre Etat, le premier président de la cour d'appel a privé sa décision de base légale au regard de l'article L. 16 B du livre des procedures fiscales...... ».

















Commentaires
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -