Nouvelles

إطار عام للتمييز بين مبادئ وأسس السياسة وعلم السياسة، والسياسات العمومية

  إطار عام  للتمييز بين مبادئ وأسس السياسة وعلم السياسة، والسياسات العمومية

   
إطار عام  للتمييز بين مبادئ وأسس السياسة وعلم السياسة، والسياسات العمومية

مقدمة:

  الإنسان مخلوق اجتماعي، نعث نفسه بالتميزعن باقي مخلوقات الكرة الأرضية بالعقل،فأصبحت هذه الجُملة،قاعدة عامة يصف بها الإنسان نفسه... وأينما كان فإنه يدخل (كأفراد أوكجماعة)في علاقات تفاعل متعددة ومتشابكة مع أفراد وجماعات أخرى، منها الزواج، الصداقة،التعاون التجارة العلم... وبهذا من خصائص الإنس ان "استخدامه للعقل"، و"العيش وسط الجماعة ."

    وفي كل الأحوال التفاعل البشري وسط الجماعة (كيفما كانت)مختلف ومتنوع يتدحرج بين واقعين يتباعد و يتقارب مفهوم كل منهما للآخر، حسب درجات، تتحكم فيها الظروف، والمصالح... هذان الواقعان هما: " التعايش والصراع." 

- التعايش: في نظرنا المصطلح منبثق من كلمة العيش، ويقصد به، وضعية يتحقق فيها العيش معا بمودة وتسامح بين أفراد أو مجموعات منها شعوب... مختلفون، لكنهم تجاوزوالاختلاف لذلك أي خلاف لا يؤثر سلبا على الاستقرار.

    والتعبير عن التعايش، يكون بالصمت الإيجابي المبني على القبول أو بالتعبير اللفظي والسلوكي. والتعايش الذي يقوم على السلم يؤدي للاستقرار. وفي الواقع لم يخلق الله أبدا نسختين متطابقتين لفرد واحد، وعبر تاريخ الكرة الأرضية كل الأفراد مختلفون عن بعضهم البعض، ومن يقبل الآخر باختلافه، فهو قابل للتعايش السلمي، و في عصرنا هذا، أغلب الشعوب مختلطة وهناك شعوب بها أقليات عرقية أو دينية أو ثقافية...إذا كان بينها وبين الشعب الذي تشكل جزءا منه قبول، يتحقق السلم والاستقرار    .

- أما الصراع: هو كذلك وضعية تحدث بسبب عدم القبول أو التنافر الذي يظهر في التعبيرالجسدي و اللفظي والسلوكي؛ ويحدث إما بسبب تعارض حقيقي أو متخيل في القيم والمصالح أوبسبب المنافسة.

  و يمكن أن يكون الصراع داخليا أو خارجيا، وقد يبدأ بين اثنين أو مجموعات صغيرة فينتشر إن لم يكن هناك تدخل ما يحد منه .

    كما يساعد الصراع كمفهوم على تفسير الكثير من جوانب الحياة الاجتماعية، مثل الاختلافا لاجتماعي وتعارض المصالح بين الأفراد والجماعات أو المنظمات أو الدول. والسير في طريق الصراع يؤدي للفتن وعدم الاستقرار؛ وقد يصل للحروب الأهلية أو بين الدول...

   وكما نعلم كل الكائنات الحية التي خلقها الله تحيى بين هاتين الوضعيتين: القبول والتنافر/ التعايش والصراع. 

في بداية الإنسان، كان السبب الذي يتحكم في التعايش أو الصراع هو تحقيق أو حماية "المصلحة الخاصة للأفراد"؛ وعبر التراكم والتطور التاريخي للمجموعات العائلية ظهرت القبيلة، فقبائل، فتنظيمات أوسع تجاوزت في عصرنا هذا تنظيم الدولة لتصل لتنظيمات أخرى أوسع، وحسب تطوراتها وتشابكها، لازالت تظهر عنها، حاجيات جماعية مشتركة بين أفراد المجموعات البشرية المختلفة، عرفت "بالمصلحة العامة أو المصلحة الجماعية"؛ وفي كل مجموعة بشرية دائما يتم اللجوء لفرد أو لعائلة أو يتم إنشاء مجالس وتنظيمات بأشكال مختلفة لحماية المجموعة وتمثيلها والسهر على حماية المصلحة العامة وبقائها وتطورها. وكيفما كانت أشكال المجموعات ، كلها عملت على وضع آليات ومساطر تجلت في البداية في  تقاليد وأعراف ثم قوانين ومؤسسات أهمها تنظيم الدولة، التي تجد  في عصرنا هذا مبرر وجودها وشرعيتها في تحقيق المصلحة العامة للمواطنين.

     ما ذكرناه، يعطي نظرة عامة عن موضوع السياسة والسياسة العمومية الذي هو "تسييروتدبير الصالح العام في أوقات السلم والاستقرار وعند حدوث الصراع"، لكن  التفاصيل المبدئية تحتم علينا الانطلاق في موضوعنا هذا (المبادئ الأساسية لعلم السياسة) الانطلاق من الاستفهامات التالية: ماذا نعني بمصطلح ومفهوم السياسة، ومتى نشأت؛ وهل هذا المجال هوفعلا مجال علمي؛ ثم متى تم اعتماد دراسته على المستوى الأكاديمي، وما الهدف من ذلك؟ وماذانعني بالفاعل السياسي، وهل الدولة هي الفاعل السياسي الوحيد؛ ثم ماذا نعني بالسياسات العامة، وهل هناك اختلاف بينها وبين مصطلح السياسات العمومية...؟

      المبحث الأول:    مفهوم السياسة وتاريخ نشأتها.

     يعد الاهتمام بأمور المصلحة العامة (المجال المشترك بين المواطنين) من طرف الدولة والمجتمع المدني وفي بعض الدول من طرف الشعب ككل، من الأسباب التي أدت لانفتاح"السياسة" على تسيير وتدبير كل ما يتعلق بالمجتمع، بالإضافة لاهتمامها الكلاسيكي الذي يتعلق بتنظيم الدولة والسلطة السياسية، وسبل قوتها وهيمنتها، وهي أمور أدت لتطور وتوسع مجالات اهتمام "العلوم السياسية" بظهور عدة جوانب جديدة منها "السياسات العامة ."

       وكخطوة أولى نقف لفهم هذه المصطلحات المحورية: ماذا نعني بمصطلح ومفهوم:

"السياسة"؛  "علم السياسة"؛ " السياسات العامة " ؟

      المطلب الأول    مصطلح ومفهوم السياسة ومسالة العلمية.

    في الدراسات الأكاديمية،  مسألة المصطلحات والمفاهيم والبحث في مدى علمية موضوع الدراسة، تعتبر أسس أولية يُعتمد عليها كركائز تساهم في توضيح الموضوع وتحديد مكانته من العلم، وهذا هدفنا في هذا المطلب.

             الفقرة الأولى:    مصطلح السياسة لغويا.

      لتوضيح مفهوم السياسة، نرى من المفيد الوقوف على المصطلح لغويا سواء في اللغة العربية أو في اللغة الأجنبية (الإنجليزية) و (الفرنسية.)     

 أ - المصطلح في اللغة العربية:

    في اللغة العربية ليس هناك سوى مصطلح واحد، هو مصطلح أو كلمة "السياسة".  وهناك من يقول بأن مصدرها اللغوي هو كلمة ”السوس“؛ و السوس له عدة معاني، منها: الطبع ؛السجية؛ الأصل؛ الخلق.

- وفي مجال النباتات، السوس نوع من الشجر أو النبات؛ 

- ويعني كذلك نوع من الحشرات التي تصيب النبات والحيوان والإنسان.

- وفي مجال التدبير، فعل ساس يسوس يعني: السياسة، وحسب لسان العرب، تعني”الرياسة.“

     ويقال، ساس، يسوس، سياسة، يعني التدبير والقيام بأمر الناس بما يصلحه.

       ويذكر المعجم العربي الأساسي، "أن السياسة هي المبادئ المعتمدة التي تُتخَذ الإجراءات بناء عليها ".

    وقد وجدنا تعريف لغوي منسوب للغة العربية يقول أن السياسة هي: "الرياسة”: تولي قيادة وإدارة شؤون الناس بما يصلح أحوالهم. ونظن أن هذا التعريف يهم ما ينبغي أن يكون. لكن واقع السياسة وعبر الزمن وجدت وتوجد  به حالات إيجابية تدبر فيها الدولة مصالح العامة بما يصلح أحوالهم، ووجدت حالات سلبية تتولى فيها السلطة/ الحكومة إدارة شؤون الناس بما يؤثر عليهم سلبا. 

وبذلك، نعتقد أن "السياسة"، سواء في اللغة العربية أو غيرها هي كلمة محايدة قد توحي بمفاهيم إيجابية أو سلبية؛ فعندما يقال بأن أمرا ما عولج بطريقة "سياسية"، فإن المعنى الموحى به سيكون إما إيجابيا أو سلبيا حسب الطريقة والنتائج. ونعرض هنا مثالا عن معالجة الحكومات لمشكل البطالة في عصرنا هذا بهدف إسقاطه على كل نشاطات الحكومات: هناك حكومات تفتح مراكز محلية لتسجيل العاطلين عن العمل في ربوع البلاد، وتستمع إليهم، وتساعدهم بالتكوين والتتبع إلى أن يجدوا العمل، وهناك حكومات لا تفعل شيئا أو تقدم حلولا شكلية أو جزئية أومتقطعة... إلى أن يستفحل المشكل، و يخرج العاطلون عن العمل بأعداد للاحتجاج، فتتحرك الحكومة لفض التجمعات أو التظاهرات، وتدخل في مفاوضات مع ممثلين عنهم، وقد يتم إرضاء الممثلين، والتعامل معهم لإقناع الباقي بالتراجع عن الاحتجاجات أو استعمال العنف ضد الكل أويأخذ التفاوض الحكومي معهم سنوات متعددة بدون نتائج أو ... في المثالين معا هناك ممارسة"للسياسة" من طرف جهة رسمية وفئة من المواطنين، لكن المثال الأول تتعامل فيه الحكومات إيجابيا، بدخولها في علاقات تواصلية فردية وجماعية محليا لتصل لنتائج إيجابية بتشارك مع الفئات المعنية، وفي المثال الثاني التعامل يقوم على الإهمال أو التماطل أو التجاهل ليتحول إلىمواجهة وعنف متبادل بين الحكومة و الفئات المعنية والنتائج كيفما كانت سلبية لا تصلح شأن المواطن. 

لهذا كما يكون للسياسة مفهوم إيجابي يكون له مفهوم سلبي  .

   وعن أصل كلمة السياسة في اللغة العربية، نعتمد الرأي الذي يعتبر أن كلمة السياسة لا يوجد لها جذور؛ أو أصل في اللغة العربية.

       وحسب هذا الاتجاه، أصل هذه الكلمة الموجودة باللغة العربية يعود إلى:  الرومانية ( منسه)؛ أو يعود إلى  التتارية (ياسه )             

        ويعتبر "جنكيزخان"  هو من أدخل هذه الكلمة إلى اللغة العربية، لكن نطقها المصريون بطريقة خاطئة، وبذلك تم تحريف "سه ياسه" إلى  "سياسة" حسب نطق المصريون، وانتشرت بعد ذلك في كل البلاد العربية (سياسة).

         وعن تاريخ استعمال مصطلح السياسة عند العرب نشير إنه:

1. لا نجد في القرآن الكريم تعبير "السياسة"، وكذا الأمر في الأحاديث النبوية.

 أما المصطلحات التي استخدمت من طرف العرب في تلك المرحلة وهي قريبة من مفهوم السياسة الحديث؛ نذكر منها : "الأمر"؛ "الملك."

2. وفي عهد الخلفاء الراشدين أضيف تعبير "الخلافة"، يعني خلافة النبي)(ص)؛ و"الإمامة:"كذلك بعد موت النبي محمد(ص) ظهر الإمام الذي يتولى إدارة شؤون المسلمين.

    وعدم وجود كتابات كافية، في مرحلة ما قبل الإسلام، تُمكِّن من استشفاف مفهوم متكامل للسياسة، لا يعني عدم وجود "السياسة" ممارسةً وفكراً؛ كما لا يعني عدم وجود تجمعات سياسية ودول في تلك المرحلة.

   والبداية الأولى لاستخدام تعبير السياسة في العالم الإسلامي، انطلقت عمليا، مع كُتَّابِ القرن الثاني للهجرة. و أصبح التعبير رائجا فيما بعد، ومن الأمثلة على ذلك نذكر:

. سهيل ابن هارون  في كتابه: " تدبير الملك و السياسة "170 ه –  228ه.

. الحلاج في كتابه: "السياسة و الخلفاء و الأمراء"  .

. السرخيسي2 في كتابه "السياسة."

       ب – مصطلح السياسة في اللغة الأجنبية:

        - مصطلح Politique  (السياسة):  يرجع أصله إلى اللغة اليونانية القديمة، باعتبار أن الحضارة اليونانية القديمة كانت أساس الحضارة الغربية.وللكلمة كتابتين، في اللغة اليونانية القديمة وهي كالتالي:

.Epolitica  تعني : " الدولة المدينة." 

. Epolitik   تعني: "الدولة والدستور، والنظام السياسي والجمهورية و المواطنة." 

       استخدم الفرنسيون المصطلح، ابتداء من القرن الثالث عشر؛ بمعنى:   Politica الحاضرة، المدينة، حسب المعنى اليوناني؛ وتطور المصطلح في اللغة الفرنسية إلى أن أصبح: " Politique "،  ويعني، كل ما له علاقة بحكم الدولة وإدارة العلاقات الخارجية والاهتمام بالشؤون العامة.

وفي سنة 1870  عرف معجم ليتره، السياسة، "بعلم حكم الدولة."

     أما في بريطانيا، استخدمت كلمة" Politic " ابتداء من القرن الرابع عشر، بمعنى: " علم وفن الحكم المتعلق بالدولة وبتنظيمها وإدارتها.

    و إن اختلفت كثير من لغات العالم في التعبير عنه كمصطلح، فالمفهوم قد أصبح عالمي لأن الثقافة السياسية الغربية أصبحت مرجع أساسي.

   ج – مفهوم السياسة:  عن جان ماري دانكان  نشير إلى: " ...إن السياسة كلمة تحدد بالتأكيد حقائق غير لغوية"... وهكذا:    

- عرف معجم "روبير Robert  " السياسة، بأنها "حكم المجتمعات الإنسانية".

- و بانتشاره، أصبح مصطلح السياسة في العالم الغربي، يعني كلَ ما له علاقة "بالدولة الدستورية”.

- وكغيره من المهتمين، يقول فيليب برود (Phillipe Braud)، تحديد معنى كلمة  السياسة صعب وذلك لشحنها بحمولات دلالية كثيرة، الأمر الذي جعله يفرق بين السياسي ( La politique) والسياسة (Le politique).

       السياسي : ويقصد به ، حقل اجتماعي مكون من  ازدواجية: من جهة: مصالح حقيقية وتصورية و رمزية متناقضة.

 إذ إن لم يوجد في هذا الحقل الاجتماعي صراعات وإذا كان يوجد في المجتمع، فقط التكامل والتجمع والسلم لم تكن هناك حاجة لوجود دولة، لهذا الصراعات الاجتماعية، مثلا بين رب العمل والعامل؛ وبين المنتج والمستهلك؛ وبين الأغنياء والفقراء؛ وبين شباب يعملون وشباب لا يعملون؛ وبين البيض والسود؛ وبين المدن والبوادي؛ وبين العسكري والمدني...الخ، تطلبت ظهور جهة تمتلك حق الاكراه المشروع، في هذا الاتجاه تبلور تنظيم الدولة .

     فالدولة تتمثل في السلطة السياسية التي تتمتع باحتكار الإكراه المشروع، تظهر كجانب ثاني،وهي تقوم على أساس تقاربات وتجمعات فرعية وجزئية منظمة من خلال القوانين التي تنظمها وتنظم الحياة الاجتماعية بكل مجالاتها، ومستوياتها، وأبعادها... بهدف توسيع مجال التعايش الاجتماعي، والحد من مجال الصراع فيه.

       والفرضية هنا تقوم على، أن القانون الذي تضعه الدولة، لا ينبغي أن يكون  انتصارالمصالح البعض على مصالح آخرين؛ ولا ينبغي كذلك أن يعني تسوية تقوم على توازنات (معينة) تنتج  مستاءين...  وبعيدا عن هذه التوقعات الموجودة في الواقع، والأخرى المشابهة لها، نشيرأن المجتمع يبقى مرنا وتدبير أموره ينبغي أن تعود لمؤسسات الدولة توازي بين العدلوالاستقرار. 

أما السياسة  : فهي تعبير عن المشهد الذي يتواجه فيه الأفراد والمجموعات التي  تتنافس  من أجل، البقاء في السلطة  أو من أجل الوصول إليها، أو من أجل التأثير فيها، ومع اختلافها نذكر منها ما يلي: الأحزاب السياسية، النقابات، اللوبِيَّات (الجماعات الضاغطة) ومختلف التنظيمات والحركات الاجتماعية . والحياة السياسية في هذا المستوى تتميز بنقاش مستمر حول الانجازات والمشاكل السياسية... يتجدد هذا النقاش مع الاستحقاقات الانتخابية، التي تتغذى على  المشاكل الاجتماعية، حيث يتم توظيف بعض القضايا أو المشاكل الحساسة إما لنيل الثقة أو.لإضعاف الخصم.

    طبعا هذه الأمور لا تنجح إلا في البلدان الديمقراطية التي تسهر على جدية تطبيق الآليات الانتخابية مع تمكين شعوبها من مستوى علمي، ومن مستوى عيش يسمح للناخب من الإدلاء بصوته بكل حرية ونزاهة ...

    و السياسة كواقع وحياة وهياكل تشكل موضوع بحث ودراسة في مجال "علم السياسة."  قبل إعطاء فكرة عن ظهور علم السياسة وتطوره الأكاديمي، نقف أولا على مسألة علمية هذا المجال الذي يسميه الاتجاه الفرانكوفوني "علم السياسية" ويسميه الاتجاه الانكلوسكسوني"فن السياسة" الأمر الذي جعلنا نفكر في مدى علميته.

            الفقرة الثانية:  هل السياسة علم؟

       هذا الأمر يحيلنا على تحديد معنى العلم.  ماذا  نعني إذن بالعلم؟

      العلم هو خطاب يتضمن مجموعة من البيانات ( معرفة)، يُعبَّر عنها بلغة المنطق أوالرياضيات للوصول إلى نتائج معينة... 

     لهذا المعرفة العلمية هي خطاب منهجي يتطلب تماسكا داخليا. لكن النتائج التي تتوصل إليها أغلب العلوم، تكون متقدمة أو ناقصة كثيرا أو قليلا عن الواقع الذي يعكس العقل البشري.

      معنى هذا أن العلم ليس نسخة عن الواقع؛ وبتعبير آخر الواقع ليس متجانسا مع مادة العلم.

      هنا نتساءل، ما الذي يجعل أغلب العلوم تصل إلى نتائج غير متجانسة مع الواقع؟

       عامة العلم يزيد من قدرة الإنسان على التدخل في العالم إلا أن هناك فرق في أساليب التدخل بين العلوم الدقيقة وبين العلوم الوصفية؛ والعلوم الإنسانية:

    فالعلوم الدقيقة تقوم على أسلوب ينطلق من الافتراض ( طرح فرضية)، وإخضاع الحالة أوالظاهرة للتجريب بهدف الوصول لاستنتاجات يُعْتَمَدُ عليها في التدخل، أو يعتمد عليها في إيجادالحلول؛

   العلوم الوصفية ( كالجغرافية مثلا)؛ تقوم على وصف واقع ما وأهم مجال في العلوم الوصفيةهو الجغرافيا التي تنطلق من الوصف الدقيق.

   أما العلوم الإنسانية لم تستطع الاستفادة لا من أسلوب التجريب ولا من أسلوب الوصف الدقيق وهو أمر يضعف " الموضوعية " بها، ويميزها بالنسبية.

  و نعني " بالموضوعية، " معالجة الظواهر والوقائع مع المحافظة على استقلالية و وجودها الخارجي عن ذات الباحث أو الدارس ... والموضوعية، تتحقق بالوصول إلى نتيجة واحدة في موضوع بَحَثَ فيه باحثان أو أكثر، وكمثال نذكر أن النتيجة الصحيحة في علم الرياضيات هي نفسها لدى أكثر من باحث، بينما في العلوم الاجتماعية بما فيها علم السياسة... الباحثون لايصلون في الغالب لنفس النتيجة، وذلك لأن الفجوة في هذه المجالات تبقى دائما كبيرة بين الصياغات النظرية الثابتة والواقع المتغير، بالإضافة لذاتية الباحث التي تتدخل من خلال فهمها وصياغتها، الأمر الذي ينتج عنه اختلاف بين الدارسون للموضوع الواحد. وهو واقع يمس بالموضوعية.

    من هنا الموضوعية، هي ركن أساسي من أركان النسق العلمي بل هي الهدف الرئيسي له، وكما لاحظنا في الأمثلة المذكورة أعلاه، يمكن تحقق الموضوعية في العلوم الدقيقة والمطلقة، لكنها تبقى المستحب البعيد المنال في العلوم الإنسانية، خصوصا في المجالات الاجتماعية بمافيها علم السياسة.

      في علم السياسة نشير، أن طرق ووسائل البحث العلمي المعتمدة هي الأخرى، تطرح مشاكل وعوائق تمس بالموضوعية في العلوم الاجتماعية،  نذكر منها ما يلي:

- "طريقة التحقيق في عين المكان بالمعاينة والملاحظة الدقيقة للحدث في محيطه الطبيعي،"لكن الملاحظة المادية في هذه الطريقة قد لا تكتمل حتى مع اعتماد الصورة أو الفيديو لأن الباحث يمكن أن يحتاج لمعلومات أخرى كالخلفيات والأسباب اجتماعية أو السياسية أو البيولوجية أوتاريخية أو قانونية أو السياسية... أو كل هذا أو بعضه ...حتى تكتمل الصورة لدى الباحث...

- "أسلوب استطلاع الرأي": وهي تقنية تعتمد على استطلاع آراء عيِّنة من المواطنين أوالمعنيين (بالحدث) تسمح باستقراء الآراء و توجهات السلوك، هذا الأسلوب كذلك معرض للخطأ  و التضليل المقصود والغير المقصود، كما قد يكون السبب في خطأ النتائج عدم دقة الأسئلة.

     وعبر التاريخ، طوّرت العلوم الاجتماعية عددا من نماذج التحليل تعتبر رئيسية، إلا أنها هي الأخرى لم تحقق الموضوعية المطلوبة خاصة في مجال علم السياسة نذكر منها:

- المنهج التجريبي: ( أو المدرسة الكلاسيكية)، يشكل مدرسة لا تعترف إلا بالوقائع الملموسة،nأُِخِذ هذا الأسلوب عن العلوم الدقيقة، إلا أنه عجز عن إدراك الحقائق الاجتماعية من خلال كلجوانبها.

- المنهج الوظيفي: يُشَبّه المجتمع بجسم الإنسان:  لكل عضو في المجتمع وظيفة محددة يساهم في القيام بها، لكن اختلاف الآراء وتناقضها بين مؤيد ومعارض ساخط، وبين من يعمل لصالح العام وآخرين لا تهمهم إلا استغلال الصالح العام لحسابهم الخاص... كلها أمور جعلت هذاالاتجاه المعروف بالمدرسة المحافظة، يتعرض لانتقادات شديدة.

- المنهج التطوري: هو نموذج يعتمد على تتبع الديناميكية في تحليل الأنظمة والوقائع. وهوالآخر يعرف صعوبات كثيرة خاصة النقص، أو الغموض، أو التناقض في المعلومة أو غيابها بسبب السرية وغيرها من العراقيل...

- ونشير إلى أن غالبية الكتابات والأبحاث السياسية تكون إما لصالح أو ضد وذلك بناء على اعتبارات يتحكم فيها إما الرأي أو الانتماء السياسي أو العرقي أو الديني أو غيرها من الانتماءات الأخرى... مثلا : نتيجة البحث في موضوع: " السياسة التعليمية في المغرب" التي يتوصل إليها طالب ليست هي نفس النتيجة التي يتوصل إليها موظف في الكلية أو في الوزارة، وليست هي النتيجة التي يمكن أن يصل إليها سياسي معارض لسياسة الحكومة.

- كذلك المشاكل السياسية تختلف من قطر لآخر؛ وليس هناك مقياس عالمي للاقتداء به، حسب أنظمة موحدة ومتفق عليها بين الدارسين في المجال السياسي...؛

- هذا بالإضافة إلى أن مجال السياسة، محاط بالتكتم والسرية والتمويه وتفتيت المعرفة وتشتيتها والدعاية الكاذبة... بالإضافة إلى أن جانب كبير منها يعرف تغيرات جد سريعة...الخ.

       هذه فقط أمثلة بسيطة، تدل على أن المسائل التي تشوب المجالات الاجتماعية ومن ضمنها

" السياسة "، جعلت منها مجالات تقوم على معرفة نسبية قابلة دائما للمراجعة.

      مع هذا هل يمكننا القول بأن مجالات البحث والدراسة الإنسانية والاجتماعية بما فيها السياسية، هي مجالات غير علمية؟

   من خلال الأمثلة المذكورة أعلاه، ثبت أن مجال البحث الإنساني – الاجتماعي به كثير من المسائل تجعل نتائج البحث به مختلفة و نسبية، لكن بارتكازنا على أن المفروض في العلم كعلم أن يجد حلول لمشاكل، وليس المفروض فيه أن يكون مرآة  يعكس واقع مجاله ... لهذا حتى وإن لم تتجانس المعرفة مع الواقع في المجالات الإنسانية الاجتماعية بما فيها السياسة، لا يمكننا تجريدها من العلمية مادامت تقوم بوظيفتها العلمية أي تعطي حلولا لمشاكل إنسانية واجتماعية و...

    ومن أجل توضيح أن النسبية التي تميز العلوم الإنسانية - الاجتماعية ليست دائما عيبا، نشيرأنه لحل مشكل ما ذو طبيعة إنسانية اجتماعية يمكن اعتماد حلول عديدة، وكلها تكون ناجعة لأن أي مشكل كيفما كان يمكن حله بآلاف الطرق، وليس فقط بطريقة واحدة، وهو أمر يتماشى معمرونة و نسبية هذه المجالات... لهذا اختلاف نتائج البحث ونسبيتها تنسجم مع الطبيعة البشرية. إذا نسبية العلوم الاجتماعية بما فيها السياسية، لا تمس العلمية في شيء مادام المطلوب من العلم هو إيجاد الحلول لمشاكل الواقع وليس تجسيد هذا الواقع...



Comments
No comments
Post a Comment



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -