Nouvelles

مدخل العلوم السياسية، مقدمة عامة

 مدخل العلوم السياسية،

مدخل العلوم السياسية، مقدمة عامة


 مقدمة عامة

     ظهرت السياسة بفضل التعاون والتنسيق بين المجموعات البشرية لتدبير شؤونها المشتركة. لهذا فالسياسة ظاهرة قديمة، بدأت منذ أن شرع الإنسان خارج أسرته في التنسيق مع الأسر الأخرى، من أجل المحافظة على بقائه و أمنه، (فيما بعد، من أجل تحقيق الاستقرار والازدهار). ونتج عن نجاح هذا التعاون تدريجيا ،تبلور تنظيمات وهياكل، ظهرت بدائية، تطورت، فأدت لظهور مجموعات بشرية أكبر من الأسرة وقائمة على أساسها ؛ عرفت بتسميات متعددة، كالعشيرة و القبيلة و الفخدة و القرية.. وغيرها من التنظيمات، التي اختلفت تسمياتها باختلاف حجمها وتنظيماتها و باختلاف المجتمعات الموجودة بها. وبسبب الحاجة الدائمة والمتنامية للأمن وتلبية الحاجات المشتركة، استمر التعاون والتنسيق كوسيلة أثبتت نجاعتها تدريجيا،  في تحقيق التقارب بين عناصر المجموعات المتعاونة وتطور وعي داخلي لديها بالتعايش ثم الاختلاط فالشعور بالانتماء لبعضها البعض، حيث كان هذا عامل من عوامل تكوين الأمم .

   ونشير أن العديد من الأمم تطورت إلى دول أو خضعت لها، و في تنظيماتها تطورت منحياة الريف إلى حياة المدينة، لكن لازال إلى يومنا هذا مناطق لم ترق لمستوى المدينة،خاصة في الدول النامية، وفي المقابل، سجل التاريخ قديما وجود دول وحضارات نظمت على أساس المدينة، كما كانت الحضارة الآشورية في بلاد الرافدين، والشام القديمة، والحضارة الإغريقية(اليونان) والرومانية (إيطاليا )، ولا ننسى مشروع النبي محمد (ص)،بتأسيس المدينة، حينما هاجر "ليثرب" وغير اسمها إلى "المدينة."

  وكنتيجة عن تطور تدبير المشترك بين المجموعات البشرية، تبلورت تدريجيا، إلى جانب تنظيم الأسرة ،  تنظيمات وتجمعات بشرية متنوعة من صنف أخر، كالتعاونيات (التي بدأت فلاحية ثم صناعية)، و الشركات، ومنظمات متنوعة،  كلها تعد قطاعية لها علاقة بالإنتاج والخدمات منفصلة في تنظيمها عن الأسرة ومحور اشتغالها هو "الفرد"، الذي أعلنت الدولة الغربية أنه محور تنظيمها. بل والأكثر من هذا، تطور التنسيق والتعاون في تدبير المشترك بين الدول، وتم الحد من الحروب، وتغيير  مفهوم الاستعمار ، والاعتراف بالحدود،حيث استقرت الدولة ، و تم تنظيم المعاملات والمصالح المختلفة فيما بينها، فظهرت المنظمات الدولية العامة و المتخصصة،... كان محورها في المرحلة الأولى "الدول"، لكن تطورها في عصرنا هذا، و باسم حريات وحقوق الإنسان، أصبح دورها يشكل  الشعوب والأفراد كذلك ، وهو واقع غير من مفهوم سيادة الدولة، واستفحل دور المنظمات الدولية،و بعض الأفراد الذين أنشأوها لدرجة أنهم تحكموا في مصير العالم ككل. هذا إطار عام تبلور وتبلورت تنظيماته من خلال تدبير  الحاجيات المشتركة للمجموعة الإنسانية.

          لهذا موضوع "السياسة"  حسب ما سجلته النظرية، والعديد من التطبيقات، هو كل يتعلق بتسيير وتدبير المصالح العامة بما يصلح أحوال المجموعة البشرية، ويحقق لها الأمن والاستقرار والازدهار، ويلبي حاجياتها، سواء داخل المجموعة أو خارجها، و سواء كانت هذه المجموعة البشرية، مجموعة بدائية أو دولة في أرقى مستويات تنظيمها .لكن في عصرنا هذا، في الوقت الذي نلاحظ فيه تطور موضوع السياسة في الدول الديمقراطية للاهتمام في عمق المجموعات ليشمل اهتمامها الأفراد كأفراد؛ نلاحظ في العديد من الدول الغير الديمقراطية،

استغلال موضوع السياسة من قبل القائمين عليها لتحقيق مصالحهم الخاصة، وتقلصت رقعة تدبير الحاجيات المشتركة للشعوب.

  وبالمناسبة، ينتج دائما عن التطور الإنساني، تطور موازي لحاجاته خاصة المشتركة، والقائمين عليها،  ولمرجعيات وكيفيات ووسائل  ومراحل تدبيرها ... وكلها جوانب تستدعي منا الكشف عن مضمونها في أفق اعتمادها أسس ووسائل تمكننا من فهم وتتبع بل ومراقبة ما يروج في بلدنا من سياسة وسياسات عمومية.

   وبما أن موضوع المبادئ الأساسية لعلم السياسة جد واسع، ويتمحور حول أسس ونظريات(مدارس) كثيرة نستشف من خلالها، حسب رصد تاريخي، تنظيمات وآليات ووسائل العمل السياسي، ارتأينا، بسبب قصر المدة المخصصة للدراسة، أن ننطلق من مرحلة ستينات القرن الماضي، من خلال موضوع السياسات العمومية، وأن نوضح في إطاره الأسس والمبادئ وموضوع السياسة وحدوده، والجهات والكيفيات والآليات والوسائل اللاتي تدخل في صناعة القرار السياسي، ومتى يكون ذلك، وما هي المراحل...؟

   وبما أن مجالنا هو " علم السياسة"، فهو مجال يلقي على عاتقنا، مهمة رصد، وتسجيل،وتحليل واستخلاص النتائج وتقديم الحلول ومقارنتها مع الحلول المطروحة، في كل ما يتعلق بالجوانب التي نستطيع طرحها في موضوع الدولة، باعتبارها إطارا يصبغ صفة "السياسة" على كل ما يتعلق بتنظيمها ومكوناتها وتدبيرها ومحيطها ...

    وبناء عليه، نشير أن حقل السياسات العمومية ظهر كحقل فرعي في العلوم السياسية والإدارة العامة، كانت بديات تبلوره مع التغييرات الأساسية في دور الحكومة في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأسباب تتعلق بواقع الشعوب والمجتمعات بعد الحرب، حيث اتسع دور الحكومات في إعادة بناء دمار الحروب، فتأكد دورها في تدبير كل ما يتعلق بالمواطنين في أغلب المجالات كالصحة، والسكن، مستوى التعليم، النقل، وضعية النساء والأطفال والشيوخ وذوي الحاجات في المجتمع، باعتبار أنهم جوانب ضعيفة تستدعي الاهتمام والحماية، والأمن، والحريات العامة والحقوق.. وكيفية تنظيم واجبات المواطنين وطبيعتها وحجمها في علاقتها بالحقوق والحريات...  وفي كل الأحوال، وإن كان ميل العلوم السياسية يتجه في العادة لإبراز المشاكل والأمور السلبية بهدف تقديم اقتراحات والحلول بشأنها، فإن إبراز أهمية، وفوائد الجوانب الإيجابية لا تسقط من اهتمامات وأهداف دراسات العلوم السياسية... و هكذا تتطور دائما السياسة كواقع و كمجال للبحث والدراسات، ومن تمة تتطور النظرية من خلاله .

    مشروع هذه المحاضرات، ليس فقط إيصال معلومات ومعطيات حول موضوع المبادئ الأولية للعلوم السياسية والسياسات العمومية"، بل أكبر همنا هو العمل على تفكيك جوانب هذا الموضوع للتعرف على أهم إشكالات المطروحة في كل جانب على حدة، لذلك صنفنا التساؤلات حسب مكانة أو مستوى كل جانب لنخلص عند كل مرحلة من التحليل إلى إعادة تركيب الموضوع ووضع الشروحات في محيطها الطبيعي، لكننا في كل الأحوال لا نخرج عن "المبادئ الأولية للسياسات العمومية". وقد ميزنا هذه الجوانب كالتالي:

     الجانب الأول: عملنا على طرح إشكالات الجانب المفاهيمي وحلها مع إعطاء نبدة عن التطور التاريخي المترابط لموضوع السياسة وعلم السياسة والسياسات العمومية.

   الجانب الثاني:  عملنا على استنباط عنصر المتكلم (أو المتكلمين) باسم السياسة والمحتكر لها أو الساهر على حمايتها، مع الوقوف عند التطور التدريجي لهؤلاء الفاعلين السياسيين، منمجرد "فرد"  إلى " التنظيم المؤسساتي"  المتجسد في: الدولة بهياكلها ومؤسساتها والمجتمع المدني من خلال كل مكوناته المؤسساتية ...

   الجانب الثالث: أحطنا بإشكالات مبدئية لجوانب تنظيمية مادية و قانونية؛ إدارية؛ إجرائية لتدبير الشؤون العامة للمواطنين من خلال السياسات العمومية.

   الجانب الرابع: تطرقنا لتطور وتوسع موضوع السياسة العمومية ومجالات اهتماماتها المعاصرة.

    الجانب الخامس: ذكرنا المراحل والإجراءات التي ينبغي أن احترمها من قبل كل المتدخلين فيصناعة السياسة العمومية، و طرحنا النظريات والوسائل وآليات العمل المعتمدة بها...

    منهجيا أطرنا هذه الجوانب في فصلين، الأول بعنوان: "إطار عام حول السياسة وعلم السياسة"؛ والثاني بعنوان:" السياسة العامة"؛ ونعطي فيما يلي تصميم بتفاصيل الموضوع:


استغلال موضوع السياسة من قبل القائمين عليها لتحقيق مصالحهم الخاصة، وتقلصت رقعة تدبير الحاجيات المشتركة للشعوب.

  وبالمناسبة، ينتج دائما عن التطور الإنساني، تطور موازي لحاجاته خاصة المشتركة، والقائمين عليها،  ولمرجعيات وكيفيات ووسائل  ومراحل تدبيرها ... وكلها جوانب تستدعي منا الكشف عن مضمونها في أفق اعتمادها أسس ووسائل تمكننا من فهم وتتبع بل ومراقبة ما يروجفي بلدنا من سياسة وسياسات عمومية.

   وبما أن موضوع المبادئ الأساسية لعلم السياسة جد واسع، ويتمحور حول أسس ونظريات(مدارس) كثيرة نستشف من خلالها، حسب رصد تاريخي، تنظيمات وآليات ووسائل العمل السياسي، ارتأينا، بسبب قصر المدة المخصصة للدراسة، أن ننطلق من مرحلة ستينات القرن الماضي، من خلال موضوع السياسات العمومية، وأن نوضح في إطاره الأسس والمبادئ وموضوع السياسة وحدوده، والجهات والكيفيات والآليات والوسائل اللاتي تدخل في صناعة القرار السياسي، ومتى يكون ذلك، وما هي المراحل...؟

   وبما أن مجالنا هو " علم السياسة"، فهو مجال يلقي على عاتقنا، مهمة رصد، وتسجيل، وتحليل واستخلاص النتائج وتقديم الحلول ومقارنتها مع الحلول المطروحة، في كل ما يتعلق بالجوانب التي نستطيع طرحها في موضوع الدولة، باعتبارها إطارا يصبغ صفة "السياسة" على كل ما يتعلق بتنظيمها ومكوناتها وتدبيرها ومحيطها ...

    وبناء عليه، نشير أن حقل السياسات العمومية ظهر كحقل فرعي في العلوم السياسية والإدارة العامة، كانت بديات تبلوره مع التغييرات الأساسية في دور الحكومة في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأسباب تتعلق بواقع الشعوب والمجتمعات بعد الحرب، حيث اتسع دور الحكومات في إعادة بناء دمار الحروب، فتأكد دورها في تدبير كل ما يتعلق بالمواطنين في أغلب المجالات كالصحة، والسكن، مستوى التعليم، النقل، وضعية النساء والأطفال والشيوخ وذوي الحاجات في المجتمع، باعتبار أنهم جوانب ضعيفة تستدعي الاهتمام والحماية، والأمن، والحريات العامةوالحقوق.. وكيفية تنظيم واجبات المواطنين وطبيعتها وحجمها في علاقتها بالحقوق والحريات...  وفي كل الأحوال، وإن كان ميل العلوم السياسية يتجه في العادة لإبراز المشاكل والأمور السلبية بهدف تقديم اقتراحات والحلول بشأنها، فإن إبراز أهمية، وفوائد الجوانب الإيجابية لا تسقط من اهتمامات وأهداف دراسات العلوم السياسية... و هكذا تتطور دائما السياسة كواقع و كمجال للبحث والدراسات، ومن تمة تتطور النظرية من خلاله .


Comments
No comments
Post a Comment



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -