Latest News

التطور التاريخي لعلم الاجرام

التطور التاريخي لعلم الاجرام

التطور التاريخي لعلم الإجرام


ظهور الجريمة مقترن بظهور الإنسان على سطح الأرض، بداية بقتل قابيل لأخيه هابيل، كأول جريمة عرفتها البشرية لتتوالى بعد ذلك كافعال يدافع بها الإنسان ضد الإنسان ويحقق بها أو يضمن بها مصالحه الأنانية. ومن اجل الحد من النزعات الأنانية التي تلحق ضررا بالأمن الاجتماعي، حرمت سلطة التنظيم الاجتماعي في مرحلتها البدائية بعض الأفعال الضارة بالجماعة دون الوصول إلى مستوى فكرة تفسير الجريمة، ، أو على الأرجح دون الوصول إلى مستوى التفسير العلمي لهاته الأخيرة، لذا يمكننا القول أن محاولة الإنسان لفهم السلوك الإجرامي مرت بمرحلتين : مرحلة ما قبل الفكر الوضعي ومرحلة الفكر الوضعي.



1 - مرحلة ما قبل الفكر الوضعي :



لا يمكن الجزم بأن احدا لم يتجه ذهنه ومنذ آلاف السنين نحو التساؤل عن سبب إقدام أفراد دون غيرهم على ارتكاب الجريمة قبل نشأة علم الإجرام، لكن تفسير ظاهرة الجريمة المعرفة سببها كان غيبيا، إذ كان يعزى إقدام فرد على ارتكاب الجريمة إلى قوى خارجية غير مرئية، وكان يظن أن الشخص المجرم شخص تملكته أرواح شريرة وقوى شيطانية، أو استحواذ جني، تقمصه ودفعه بالتالي إلى إتيان المحرمات  ، كما اعتبر التفسير الديني الجريمة أنها لم تكن سوى مخالفة لأمر تمليه قدرة مقدسة مجهولة، تجعل من صاحبها "عاصي" عليه واجب التفكير عن ذنبهة. فالإغريق كانوا يعتقدون بان الطبيعة بكل ما فيها محكومة بقوة الأهمية خفية وعائية ليس لأحد إزاء ما قدره فكاكا، لتكون الجريمة في تقديرهم قدرا إلاهيا، والمجرم إنسانا "تعما" اصابته لعنة الآلهة كما حاول الفلاسفة بدورهم ؛ مثل ايبوقراط وسقراط وأفلاطون و ارسطو تفسير الجريمة، من خلال ترجيحهم - في محاولة تحديدهم لسبب الجريمة الفساد المجرم وإلى العيوب الخلقية والجسمية الكامنة فيه. كما عزى بعضهم الجريمة إلى نقص في الوازع الديني، أو ضعف فيالتمسك بالقيم الأخلاقية.



ما زال موجودا في المجتمعات التي ينتشر فيها السحر، والمجتمعات المتخلفة، والتي ربط الإنحراف والجريمة والاغتصاب والشذوذ الجنسي) بإغراءات شيطانية لا سبيل لمقاومتها، والخطير في هذا التفسير أن الفرد المجرم عن جريمته، ولا عن الآثار والأضرار التي تلحق بامن جماعته وافرادها.



وفي سنة 1586 وضع ديلابورتا مولنا ربط فيه بين الجريمة والعيوب الخلقية الظاهرة في وجه المجرم، مثل السواد في العينين، أو تشوه في الجبهة، أو في الأنف.. إلخ، وايد نظريته فلاسفة طبيعيون مثل دي لاشامبر وداروين. وإضافة إلى العيوب الخلقية الظاهرة أضاف البعض الخلل في النمو الطبيعي الراس والمخ وقد بدات بوادر الدراسة العلمية لعوامل الإجرام مع بداية القرن التاسع عشر، حيث ظهرت المدرسة الفرنسية البلجيكية، التي تزعمها الفرنسي جيري، والبلجيكي کتليبه، ويطلق عليها المدرسة الإحصائية، لأنها قامت على ملاحظة وتحليل الإحصاءات التي بدات فرنسا في نشرها منذ 1826، فأصدر جيري مؤلفا تناول فيه بالدراسة العوامل الفردية والاجتماعية للإجرام، في 1833، أما كتلييه فقد اصدر مؤلفا في 1859 ضمنه دراسة إحصائية لطائفة من الجرائم في مناطق مختلفة، خلص فيه إلى ترجيح دور العوامل الاجتماعية في إنتاج السلوك الإجرامي.



وقد كان لتطرف المدرسة الفرنسية البلجيكية - في التركيز على دور العوامل الاجتماعية في إنتاج السلوك الإجرامي - بالغ الأثر في ظهور اتجاه مضاد يركز على شخص المجرم وتكوينه الداخلي، وهذا كان الحجر الأساس في فكر المدرسة الوضعية التي أسست لعلم الإجرامالمعاصر.




2 - مرحلة الفكر الوضعي في تفسير العملية الجرامي 



لم تبدا دراسة المجرم دراسة علمية بالمعنى الصحيح إلا سنة 1871 بالمحاولة التي قام بها مؤسس علم البيولوجيا الجنائية والمدرسة الوضعية سيزار لومبروزو، وتلميذيه رافائيل جاروفالو، وانريكو فيري.



أ- لومبروز و مؤسس المدرسة الوضعية



كان لومبروزو استاذا للطب الشرعي في جامعة بافيا Pavia، وطبيبا في الجيش الإيطالي، وهو أتاح له ملاحظة بعض المميزات في الجنود "الأشرار"، والتي لم تكن متوافرة في الجنود "الأخبار"، ومنها وشمات، ورسوم قبيحة يحدثونها على أجسامهم، كما لاحظ من خلال تشريح جثث الكثير من المجرمين وجود عيوب في تكوينهم الجثماني، وشذوذا في الأسنان وحجم الجبهة اثناء فحصه للجماجم.



عند تشریح لومبروزر لحئة قاطع طريق مشهور من جنوب إيطاليا إسمه فيارلا villella لاحظ في مؤخر جبهته فراغا مجوفا شبيها بالذي يوجد لدى القرود، وهو ما التهی به إلى التقرير بأن المجرم وحش بداني، تتجلى فيه عن طريق الوراثة، خصائص ترجع إلى ماقبل التاريخ الإنساني، أطلق عليه "الإنسان المجرم" وجعله عنوانا لمؤلفه سنة 1876. وفي بحوثه اللاحقة تعدى لومبروزر العيوب الخلقية الظاهرة إلى وظائف الأعضاء الداخلية والأحوال النفسية للمجرمين، ليخلص إلى الربط بين إجرامهم وبين خلل عضوي وعيب
نفساني فيهم، وهو ما ضمنه كملاحظات في الطبعة الثانية لمؤلفه "الإنسان المجرم"، واصفا المجرم بأنه مجنون نفساني. وقد خلص لومبروزو اثناء دراسته الحالة الجندي المجرم میزدیا Misdea - المهووس بالعنف والدم. إلى أن الجريمة ترجع إلى تشنجات عصبية تدفع إلى ارتكاب أفعال عنيفة، وهكذا تطورت في نظر لومبروزو صورة المجرم، من الوحش البدائي، إلى المجنون النفساني إلى المنتشنج العصبي، من خلال الطبعات الخمس لكتابه، والتي لم تترجم منها بداية إلا الطبعتين الأولى والثانية، مما جعل أراءه غير مفهومة على الوجه الصحيح بسبب عدم الإحاطة بالطبعات اللاحقة، وما احتوته من آراء تخفف من حدة فكرته عن "المجرم بالميلاد".
وأيا كان من شأن الانتقادات التي وجهت إلى نظرية الوعبروزو فهاته الأخيرة كانت بلا شك الدافع القوي نحو المزيد من البحوث اللاحقة للكشف عن الأسباب الحقيقية للجريمة، فأراء الوميروزو كانت بالفعل بداية لأبحاث قام بها تلامذته مثل جاروفالو وفيري، والتي أظهرا من خلالها دور العوامل النفسية والبيئة الاجتماعية في الدفع إلى اقتراف الجريمة

ب-جاروفالو وفيري تلامذة لومبروزو


جارو فالو هو صاحب تسمية علم الإجرام، حين استعمل ولأول مرة العبارة كعنوان لكتابه الشهير "علم الإجرام" والذي شكل في حد ذاته مصطلحا جديدا عبر عن جوانب هاته المادة العلمية الجديدة التي تساعد على كشف أسباب الجريمة، وعن نظرية جديدة مفادها أن المجرم الين خلفة جسمية شاذة، وإنما نفسا شاذة ونقصها الورع والأمانة أما أنريكو فيري فقد أكمل عمل استاذه لومبروزو، مبرزا أهمية البيئة الاجتماعية في توليد الجريمة، وذلك من خلال كتابه الشهير في علم الاجتماع الجنائي الذي وضعه سنة 1881، وأظهره في صورته النهائية سنة 1929؛ حيث ارجع الجريمة إلى عوامل ثلاث: عامل اس وجغرافي، وعامل شخصي عضوي، وعامل اجتماعي، وقال بأن الجريمة وليدة تجاوب عوامل شخصية داخلية في المجرم، وبين عوامل مادية خارجية في البيئة الطبيعية الجغرافية

الروحية في العلاقات الاجتماعية، وهو تفاعل تختلف فيه في نظر فيري- نسبة العوامل الثلاث باختلاف الجرائم والمجرمين".

وهكذا ومنذ لومبروزو وإلى وقتنا الحاضر، لم يتوقف الباحثون عن محاولة تفسير الأسباب الحقيقية للجريمة، وتوالت النظريات، وقامت المدارس المختلفة، كل منها يحاول وضع تصوره - وفق نظرته الخاصة والفلسفة والأبحاث التي ينبثق منها. للأسباب الدافعة للجريمة كظاهرة اجتماعية وكظاهرة فردية.


Commentaires
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire



    Reading Mode :
    Font Size
    +
    16
    -
    lines height
    +
    2
    -